جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

التراث الشعبي - مصطـلحات ومدلولات

2003-12-08

قبل أن نبدأ في دراسة بعض المواضيع التراثية حريٌّ بنا أن نتعرّف أولاً على بعض المصطلحات التي تستخدم للدلالة على مقومات التراث الشعبي ومدلولاته المختلفة والتي يندرج تحت بابها معظم المواضيع التراثية التي ننوي بحثها بشيء من الإسهاب والتفصيل في حلقات متتابعة تنشر عبر صحيفة أخبار النقب الغراء بعون الله تعالى.

 

العادات: جمعٌ لكلمة عادة، وهي من الفعل تعوّد يتعوّد تعويداً، ومعنى هذه الكلمة ومفهومها الدارج هو تلك الأشياء التي درج الناس على عملها أو القيام بها أو الاتصاف بها، وتكرَّرَ عملها حتى أصبحت شيئاً مألوفاً ومأنوساً، وهي نمطٌ من السلوك أو التصرُّف يُعتادُ حتى يُفعل تكراراً، ولا يجد المرء غرابة في هذه الأشياء لرؤيته لها مرات متعددة في مجتمعه وفي البيئة التي يعيش فيها.

والعادة اصطلاحاً هي: ما يعتاده الإنسان أي يعود إليه مراراً متكررة. نقول عاد الشيءُ فلاناً، أي أصابه مرة بعد أخرى، يقال: عاده الشوقُ أو الحنين أي رجع إليه مرة بعد مرة. ونقول: عَوَّدهُ على..  أي جعله يعتاد هذا الشيء حتى يصير عادة له. وسمعتُ شيخاً يذكر مرضاً يعتاده كلّ عام ويقول:" كل معيود مبارك ". وهناك مثل شعبي يقول:" بن آدم عَوَّاد على أثره ".

وفي لسان العرب في مادة:ع و د: أنشد ابن الأعرابي

لم تَزَلْ تِلْكَ عادَةَ اللهِ عِنْدي،     والفَتى  آلِفٌ   لِما   يَسْتَعِيدُ

وقال:

تَعَوَّدْ  صالِحَ  الأَخْلاقِ،  إِني       رأَيتُ المَرْءَ يَأْلَفُ ما اسْتَعادا

والعيد: هو تلك المناسبة التي يتكرر مجيئها كلّ عام في وقتها المحدّد، والعِيدِيّة: هي تلك الهدية النقدية التي يعطيها الرجل لبناته وأخواته ومن له صلة رحم بهن في الأعياد وغالباً ما يكون ذلك في عيد الأضحى المبارك.

وحتى كلمة عيادة تعني المكان الذي يرتاده الناس من وقت لآخر من أجل المعالجة والاستشفاء.

فالعادة إذن هي ما تكرر فعله حتى أصبح ديدناً، وألفته الأبصار لكثرة مشاهدته في حياة الناس اليومية.

والعرب يكرهون إنشاء العادات الجديدة خشية على عاداتهم المتوارثة، وخوفاً أن يكون في هذه العادات الجديدة ما يُفقد مجتمعهم بعض المواصفات الكريمة التي يفضلون بقاءها حية فيه، ويقولون في ذلك:" ابْطِلْ عَادة ولا تُنْشِيء عَادة "، والمعنى مفهوم من ذلك.

وقد شهدتُ بطلان عادة كانت متبعة في مجتمعنا وهي عمل القِرَى في المآتم، حيث كان أهل المتوفّى يقومون بذبح الذبائح واستقبال المعزِّين وكأنهم في عرس، وقد بطلت هذه العادة في أواخر الستينيات أو تحديداً في عام 1968، وكان بطلانها من الأمور الايجابية التي اتخذها مجتمعنا في ذلك الوقت.

ويرى الناس أن بعض الأشخاص ممن عرف عنهم تصرفات سيئة يصعب عليهم ترك هذه الصفات والعدول عنها لتأصلها فيهم، ويقولون: " اللي فيه عادة ما بيخلّيها ".

وقد تموت بعض العادات وتمحى من الوجود بسبب غيابها عن الأعين والأبصار كعادة لبس الطربوش مثلاً التي كانت سائدة في العهد التركي. وقد تظهر عادات جديدة تفرض نفسها على المجتمع كعادة لبس المرأة للجلباب الفضفاض التي أصبحت مألوفة في مجتمعنا، وكادت تقضي على الثوب الأسود التقليدي المطرّز بأنواعه المختلفة، وكذلك لبس الرجال للسراويل الإفرنجية المزمَّكة التي قضت أو كادت على لباس الرجل التقليدي المعروف والذي يُسمى في مجتمعنا " الكِبْر"، ويسمى عند أهل القرى "القُمْبَاز".

وقد يطول البحث لو أردنا الإسهاب حول كلمة العادة والعادات، ولكننا نكتفي بذكر بعض العادات السائدة في مجتمعنا للدلالة فقط، ومن هذه العادات: عادة استقبال الضيوف وتقديم القِرَى لهم، وزيارة المرضى ودعوتهم لتقديم الواجب والاحترام لهم والمتمثلة بعمل القِرَى أو " القَرْوَة " كما تسمى في مجتمعنا، وكذلك الحال بالنسبة للمعتمرين والحجاج لدى عودتهم، وقد أجمع المعتمرون والحجّاج على عدم الذهاب مع أي شخص فأصبح الناس يأتونهم للتهنئة بالعودة وأداء المناسك ليس أكثر.

ومن العادات أيضاً تقديم القهوة من اليمين، وهزّ الفنجان وتحريكه دلالة على الاكتفاء، ومن الأمثال الدالة على ذلك قولهم: " مدّ القهوة عَ اليمين لو كان أبو زيد عَ الشمال "، وحول تحريك الفنجان وهزِّهِ روى لي أحد القرويين بأنه زار رجلاً في البادية فصبَّ له القهوة، وأعاد الرجل الفنجان ولكن الرجل صبَّ له مرة أخرى وتكرر ذلك حتى قال القرويّ:" يا عَمِّي بَس "، فأخبره البدويّ عن عادة هزّ الفنجان.

ومن العادات الشائعة أيضاً عادة " القَوَد "، وهو النقوط الذي يُقدَّم في الأعراس لوالد العريس أو للعريس نفسه، وهو عبارة عن خروف سمين أو مقدار ثمنه نقداً، ويُسجّل صاحب العرس أسماء الذين يقدمون له هذا النقوط والمبلغ الذي قدموه له ليعيده لهم عندما تكون عندهم مناسبة مماثلة لأن ذلك يعتبر دين عليه، ويقولون:"أكل الرجال عند الرجال قُرْضة وعند الأنذال حَسَنة".

وقد سادت في مجتمعنا في السنوات القليلة الماضية موجة من التذمر لضخامة مبلغ النقوط أو القَوَد وكثرة الأعراس في الموسم الواحد، ونادى المصلحون من المشايخ وأئمة المساجد والوجهاء بتقليل المبلغ حتى يتمكن الناس من إبقاء المجاملة بينهم دون الإثقال عليهم وتحميلهم ما لا يستطيعون حمله.

وهناك عادات مختلفة كعادات الزواج من بَدَل وغيره، وعادات القضاء العشائري بفروعه وتشعباته المختلفة، وكذلك عادات اللباس والمظهر وعادات الطبخ والطعام، والغناء التقليدي والتي سنتطرق لها بشيء من التفصيل في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى.

وهناك أشياء نتعود عليها من خلال رؤيتنا المتكررة لها؛ كرؤيتنا للأم في ثوبها التقليدي، أو للأب بعباءته السوداء التي يضعها على كتفه وكأنها رمز للوجاهة والرجولة، أو بمنديله وعقاله المائل، أو بشبريته الفضية المزخرفة التي يضعها في حزامه.

وهناك أشياء نتعود عليها من خلال سماعنا المتكرر لها؛ كصوت الجرن أو المهباش وهو يدق القهوة بصوته العذب الرتيب، أو صوت الشبابة يسكب فيها الراعي أحلى ألحانه، وينتقل بين لحن ولحن وكأنه في روضة غنّاء من الألحان والأنغام. وكذلك صوت البدَّاعين في الأعراس والمناسبات السعيدة، وصوت الربابة الشجي الذي تغلب عليه مسحة من الحزن وكأنها تعبر عن أحاسيس أهل البادية وخلجات نفوسهم بين رمال الصحراء وكثبانها.

وكذلك تعودت أسماعنا على ثغاء المواشي ورغاء الإبل وصهيل الخيل، ونباح الكلاب وهريرها.

وهناك أشياء نتعود عليها من خلال شَمِّنا المتكرر لها؛ كرائحة القهوة عند تحميسها أو (تحميصها)، ورائحة اللبن من حليب ورائب ولبنٍ مخضوض، ورائحة الشواء واللحم الضأني المطبوخ وغير ذلك كثير.

وهناك بعض الكلمات التي لها علاقة بالعادة والعادات ومنها الطَّبْع، والكار، فنجد في الأمثال الفصيحة:" الطبع غلب التطبُّع "، وفي الأمثال الشعبية:" طَبْع اللبن ما بيغيّره إلا طبع الكَفَن ". و" أُحكم بطبعك وطبع الناس لا "، أما الكار وهو من تكرار الفعل، فالمثل يقول " اللي فيه كار ما بيخَلِّيه " وهو مواز للمثل:" اللي فيه عادة ما بيخَلِّيها ".

وقد لُقِّب أحد الشعراء بـ" عائد الكلب " لبيت شعر يقول فيه:

مَا لِي مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَائِدٌ        مِنْكُمْ، وَيَمْرَضُ كَلْبُكُمْ فَأَعُودُ

التقاليد:

التقاليد: جمع لكلمة تقليد، وهي من الفعل قلَّدَ يُقلِّدُ تقليداً، ومعناها أن يُقلِّد جيلٌ أساليب الجيل الذي سبقه ويسير عليها، إن كان ذلك في الملبس أو في السلوك والتصرفات أو في العقائد والأعمال المختلفة التي يرثها الخَلَف عن السَّلَف. وفي المنجد، التقليد: ج تقاليد وهو ما انتقل إلى الإنسان من آبائه ومعلميه ومجتمعه من العقائد والعادات والعلوم والأعمال.

ويقال قَلَّدَ فلاناً: أي اتبَعَهُ وحاكاهُ فيما يقول أو يفعل من غير حجة ولا دليل.

وفي تراثنا وحياتنا الاجتماعية عندما نرى فتاة تطرِّز قطعة من القماش لتعمل منها ثوباً، فإننا ندرك أنها تُقلِّد والدتها في ذلك. وكذلك لو بدأت تعجن الدقيق أو تتعلم الطهي على الصاج أو غيره فهي تكتسب تلك المهارات مما تراه عند والدتها وتقلدها في ذلك متخذة إياها قدوة لها تسير على نهجها وتتبع خطواتها وتسلك مسلكها.

والطفل عندما يبدأ النطق فهو يقلد والديه ويحاكيهم في لفظهم وتصرفاتهم حتى يستقيم لسانه ويهتدي إلى اللفظ السليم.

وكذلك في السلوكيات فإن للبيت أثره البارز على تنشئة الأولاد وتربيتهم على الأسس السليمة، فمن يتربى في أسرة محافظة ملتزمة بدينها يسير على نهج والديه، ومن يتربى في أسرة فاسدة فالنتيجة معروفة إلا من رحم ربي.

وكثيراً ما نرى ترادفاً ظاهراً بين كلمتي عادات وتقاليد فنرى الناس يقولون: من عاداتنا وتقاليدنا فعل كذا..

أو إننا نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا.. فالعادات والتقاليد مثلاً تقضي بأن لا تزوّج عائلة ابنها أو ابنتها من عائلة أخرى، ليس لأن في تلك العائلة ما يعيبها، ولكنهم ساروا في أثر آبائهم وقلدوهم في تصرفاتهم ولم يغيروا أو يبدلوا شيئاً.

وكثيراً ما نرى بعض الصفات التي تدلّ على القِدَم والجهل والعمى تلتصق بكلمة التقليد مثل: تقليد أعمى، وتقاليد بالية وغيرها من الألفاظ والعبارات التي يستعملها المفلسون في أغلب الأحيان.

وكثير من الأشياء التي ذكرناها تحت عنوان العادات يمكن أن تندرج تحت هذا الباب وليس في الإعادة فائدة.

وفي أمثالنا الشعبية:"اللي بيعاشر القوم أربعين يوم، بيصير يا منهم يا عليهم"، لأنه يتعلم طباعهم ويجاريهم في عاداتهم وتقاليدهم ويعرف عنهم كل صغيرة وكبيرة.

التراث:

هو ما ينتقل من عادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون ونحوها من جيل إلى جيل، نقول: " التراث الإنساني " التراث الأدبي، التراث الشعبي "، وهو يشمل كل الفنون والمأثورات الشعبية من شعر وغناء وموسيقى ومعتقدات شّعبية وقصص وحكايات وأمثال تجري على ألسنة العامة من الناس، وعادات الزواج والمناسبات المختلفة وما تتضمنه من طرق موروثة في الأداء والأشكال ومن ألوان الرقص والألعاب والمهارات.

وكلمة تراث من الفعل وَرَثَ يَرِثُ مِيرَاثَاً، أي انتقل إليه ما كان لأبويه من قبله فصار ميراثاً له، وفي الآية الكريمة من سورة النمل ": وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ.." وفي آية أخرى من سورة الأحزاب:" وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا.." وقال الله تعالى إخباراً عن زكريا ودعائه إياه: هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب أي يبقى بعدي فيصير له ميراثي.

وتُرَاث أصلها وُرَاث فقلبت الواو تاءً كما في قولنا تَقوى وتُقاة من وقى، وكثيراً ما تبدل التاء من الواو في نحو تراث وتجاه وتخمة وتقى وتقاة.

وفي الأمثال الشعبية:" من كان وريثك لا تحاسبه "، ومن أمثلة الموروثات الشعبية تعليم المرأة ابنتها الخياطة والتطريز والغزل والنسيج والعجن والطهي، وتدريب الرجل لابنه على عادات الفروسية والكرم واستقبال الضيوف وعمل القهوة لهم، ومجالسة الرجال والوجهاء ومعرفة أمور القضاء العشائري والقوانين والأعراف القبلية، وكذلك معرفة الفلاحة وزراعة الأرض وتربية المواشي من أجل العيش والارتزاق.

ومن هنا نرى أهمية التراث في نقل كل ما هو جميل من العادات والقيم والأخلاق الحميدة من جيل إلى جيل، والحفاظ على التراث هو حفاظ على القومية، والهوية الوطنية واللغة من التلف والضياع.

الفولكلور: Folklore

هو مصطلح غربي يعني التراث الشعبي، وكل ما يندرج تحت باب التراث من الفنون الشعبية المختلفة، والكلمة مكونة من شقين Folk وتعني  قوم أو شعب، وLore ،وتعني التراث والمعتقدات التقليدية، وبمجملها تعني التراث الشعبي، ولا ننصح باستعمال مثل هذه الكلمات لأن في لغتنا العربية المرنة، ما يسدّ مكانها ويعبر بشكل أفضل مما تعبر هي بعبارات بسيطة لا نجد صعوبة في فهمها وتبيان معناها.

الأنثروبولوجيا - Anthropology

وهو علم يبحث في أصل الجنس البشري وتطوره وأعراقه وعاداته ومعتقداته، وقد ذكرت هذا المصطلح لوروده كثيراً في الأبحاث التراثية المختلفة.

وأرجو أن أكون بذلك قد وفقت في نقل المعنى الصحيح لهذه المصطلحات وتقريبها إلى الأفهام والأذهان سائلاً المولى عز وجل أن يسدد خطانا ويهدينا إلى سواء السبيل.

 

 

بقلم: صالح زيادنة

 

دور المرأة في الحياة الاقتصادية

ساهمت المرأة البدوية في الحياة الاقتصادية وفي توفير المال، وتحسين ظروف العائلة المادية، وكانت بجدها واجتهادها وعملها المخلص الدؤوب، تساهم مساهمة فعالة في توفير لقمة العيش إلى جانب زوجها من أجل حياةٍ كريمة، تُبعد عنهم شبح الفاقة والعوز، في ظل ظروف الصحراء المجدبة القاحلة، وفُرَصِها القليلة وإمكانياتها المحدودة، فبرز دور المرأة وتجلّت مواهبها وقدراتها التي ترجمتها إلى أدوات للعمل والكسب في أمور مختلفة ونواحي متعددة نذكر منها ما يلي:

المنسوجات:

بَرَعت المرأةُ في مجال المنسوجات على أنواعها، وتفنَّنت في كثيرٍ منها، وأضفت عليها لمساتٍ جماليةً من ذوقها السليم تُمثِّل هدوء الصحراء وصمتها، فكان من منسوجاتها ما هو باللونين الأبيض والأسود، حيث جاء اللون الأبيض من لون صوف الماشية، والأسود من لون شَعْر الماعز، وفي هذين اللونين تناغم هاديء ترتاح له النفس، وتطمئن إليه الحواس ولا تنفر منه. إضافة إلى المنسوجات الصوفية الملونة التي اختارت ألوانها بعناية فائقة ورتّبت خطوطها الطولية بدقَّة وبتناسق جميل، وحبكت أطرافها حبكاً متيناً وأضافت إليها الهَدَب والشراشيب التي زادتها جمالاً وروعة.

فكانت تلك الصناعة فناً من الفنون التي امتازت بها المرأة البدوية، واتخذتها فيما بعد مصدراً من مصادر رزقها، من الكسب الطيب الحلال، ونحن نتناول هنا هذه المنسوجات بشيء من الشرح والتفصيل:

البُسُط:

واحدها بِسَاط، وتُجمع على بُسُط، ويجمعها العامة على بِسَاطات؛ وهي فَرْشٌ منسوج من الخيوط الصوفيّة المتينة المبرومة بَرْمَاً جيداً والمنسوجة بدقة وعناية. ولصناعة هذه البُسُط تَغزل المرأةُ صوف الأغنام بعد غسله وتنظيفه ونَفْشِه وتهيئته للغزل، ثم تصبغ قسماً منه، وتترك قسماً آخر بلا صباغ، وتنسج منه بُسُطاً ملونة ذات خطوط طولية جذابة، وألوان زاهية جميلة، تضيف هَدَباً إلى طرفيها الرفيعين.

وهذه البُسُط تستعمل فراشاً للضيوف من وجهاء القوم وكبارهم، وغالباً ما يُفرش تحتها بُسُطاً غير ملونة حتى تظلّ نظيفة نقية.

وتعمل المرأة عدداً من هذه البُسُط وتبيعها في السوق، وقد يشتهر اسمها ويُعْجِب الناس إنتاجها فتأتيها دعوات لعمل مثل هذه البُسُط فيصبح ذلك العمل مصدراً من مصادر رزقها.

أما البُسُط غير الملونة فغالباً ما تكون بلونين، لون أبيض يضرب إلى الصفرة وهو لون الصوف، ولون أسود يُتَّخَذ من شعر الماعز، وتكون الخطوط السوداء أرفع من تلك البيضاء حتى تغلب كمية الصوف على الشعر فيكون البساط أكثر طراوة وليناً.

الخُرْج:

يُنسج الخُرْج كالبساط ولكنه أرفع منه، ويُثْنَى طرفاه حتى يصبحا كالجيبين، وتوصل أطراف الجيبين وصلاً متيناً، ثم يوضع على ظهر الدابة لتحمل فيه العائلة بعض أمتعتها وأغراضها، والخُرْج الذي يُستعمل لهذا الغرض عادة ما يكون غير ملون، ويتكون من خطوط بيضاء وسوداء كما ذكرنا.

أما النوع الملون منها فيستعمل لتزيين ظهور الخيل، وغالباً ما يبرز فيه اللون الأحمر والهَدَب الملوّن، والشراشيب الطويلة، وهذا النوع من الأخرجة هو الذي يباع في الأسواق، والعامة تجمع الخُرْج على خْرُوج.

الغَفْرَة:

نوع من المنسوجات الثقيلة التي كانت تُفرش للنوم مكان الفرشة وتستعمل أيضاً كغطاء في أيام الشتاء القارسة فتقي من البرد بسبب ثقلها، إضافة إلى أن الصوف سواء كان في اللحاف أو في أي غطاء آخر فإنه يجلب الدفء والحرارة، وهناك فرق كبير بين الأغطية التي تُحشى بالصوف والتي تحشى بغيره من حيث الدفء والحرارة، وطبيعي أن أهل الصحراء يعرفون هذه الميزة أكثر من غيرهم بسبب استعمالهم اليومي لها.

الثِّفَال:

هو عبارة عن قطعة منسوجة من الصوف وشعر الماعز، تُبْسط تحت الرحى ليسقط عليها الدقيق والحَبّ المجروش، وتُبْسط تحت قِطَع العجين المُعَدّ للخَبْز عند عملية الخَبْز والطهي، ويبلغ طول الثِّفَال حوالي متر ونصف المتر، وعرضه حوالي 60 أو 70 سم. وكان الثفال يصنع في العصور القديمة من الجلد ويبسط تحت رحى اليد ليقي الطحين من التراب، ثم أصبح ينسج من الخيوط المبرومة من الصوف وشعر الماعز كما ذكرنا.

الفَرْدَة:

هي وعاءٌ على شكل كيس منسوج من الصوف يغلب على لونها البياض وفيها بعض الخطوط السوداء المنسوجة من شَعْر الماعز، أو البنية التي تنسج من وبر الإبل، وهي تُنسجُ على شكل بساطٍ ثم تُثْنَى وتُحبكُ من جانبيها بخيوط متينة حيث تبقى الجهة المقابلة لمكان الثني مفتوحة، وهي تتسع لحوالي 100 كغم من الحبوب أو الدقيق، وهي تستعمل أصلاً لنقل الحبوب على ظهور الجمال، وكذلك لنقل الحبوب للمطاحن الآلية التي كانت موجودة في بعض المناطق والتي كانت تبعد عن بعضها مسافات بعيدة.

والفَرْدةُ تجمع على "فْرَاد" وكانت بمثابة الكيس في العقود الماضية، وبها كان الناس يحفظون دقيقهم لسهولة تحميلها ونقلها عند الحلّ والترحال.

هذا بالنسبة للمنسوجات الصوفية، أما المنسوجات التي تُنسج وتُصنع من شعر الماعز فهي لا تقلّ أهمية عن سابقاتها، وكانت المرأة تعمل فترة طويلة في غزل الشَّعْر وبَرْمِه ثم تَمدّ النَّول وتنسج أسابيع في عمل هذه المنسوجات لتبيع بعضها في السوق ولتصنع من بعضها الآخر أجزاء لبيتها المتواضع، ومن هذه المنسوجات:

الشُّـقَّة:

هي قطعة منسوجة من شعر الماعز تشبه البساط ولكنها سوداء اللون بلون الشَّعر الذي صُنعت منه، وهي طويلة بحسب طول البيت الذي يصنع منها، والشقة تجمع على شقاق، ويقولون: "شقاق البيت"، وكانت المرأة إضافة إلى عمل الشقاق لبيتها الخاص، فإن بعضهن كانت تنسج بعض الشقاق لتبيعها في السوق، وكان هذا النوع من المنسوجات على ما في صناعته ونسجه من تعب وإرهاق، فإنّ المرأة تلجأ إليه لتجعله نوعاً من العمل اليدويّ الذي تقوم به، لتجعل منه مكسباً ومصدراً لرزقها.

وهناك منسوجات أخرى رفيعة تستعمل لبيت الشعر، من أجل تثبيت أطرافه وتثبيت أماكن شدّ الحبال فيه، ومن هذه القطع قطعة رفيعة بعرض حوالي 30 سم تسمى "مَخَلّ"، وهي تستعمل لتشد إليها الخلالات أو الخلة وهي مسامير خشبية أو معدنية يُشبك فيها الساتر الخلفي أو الأمامي للبيت، وقد جاء اسم المَخَلّ من الخلال وهو المسمار الذي ذكرناه.

المَعنَد:

هو ساتر عريض ينسج من الشعر وبه خطوط بيضاء من صوف المواشي، وبعد أن تفرغ المرأة من نسجه تقصه وتجعل منه قطعتين تركب واحدة فوق أخرى وتحبك ما بين القطعتين حبكاً جيداً فتصبح وكأنها قطعة واحدة ويكون ارتفاع هذا الساتر مترين أو أكثر بقليل، وهو يفصل بين حجرة النساء وبين حجرة الرجال، حيث لا يستطيع الرجل الواقف في الشق أن يرى ما بداخل غرفة الحريم، ولا يسمح سُمكه لأحد أن يرى ظلال ما يجري داخل تلك الحجرة. ونادراً ما يستعمل المعند للتجارة بسبب ثقله وصعوبة العمل فيه.

 

مصادر أخرى:

ولا يقف نشاط المرأة على مجال النسيج وحده، بل تلجأ إلى مجالات أخرى نذكر منها:

الخياطة والتطريز:

حيث كانت المرأة تطرز الثياب بالأجرة، ولها أجر معين عن كل طُبّة تطرزها أو عن كل عِرْق أو عن قُبّة الثوب بكاملها.

منتوجات الألبان:

أما في مجال المواشي وألبانها فكانت تخضّ اللبن وتُخرج زبدته وتصنع منه السمن البلدي بعد أن تقدحه وتضيف إليه الكركم والشومر لتكون رائحته زكية طيبة، وهو يباع بأسعار جيدة، وتصنع من اللبن العفيق وهو عبارة عن أقراص كرويّة من اللبن المجفف بحجم حبّة البرتقال، وتبيعه بأسعار مرتفعة، ولذلك تعد تلك الصناعة من التجارات المربحة.

وكانت بعض النساء تعمل في التجارة فتشتري المواشي وتربي الخراف وتبيع وتشتري وتربح في كلّ سوق.

تربية الدجاج:

وكانت تربي الدجاج وتبيع بيوضها، وكان البيض البلدي أغلى سعراً من البيض التجاري، وكانت تبيع كذلك عدداً من الديوك والفراريج التي تربيها من أجل ذلك، وكانت كثير من النساء تعتمد على بيع الدجاج والبيض كمصدر ترتزق منه.

الخضراوات والحبوب:

أما في مجال الخضراوات فكانت المرأة في أيّام الصيف تجفف البندورة، وإذا كان لديها كمية كبيرة أو فائض يزيد عن استهلاك العائلة فكانت تبيع ذلك، وكانت تجفف البامية أيضاً وتبيع قسماً منها على شكل قلائد مجففة.

وكانت تزرع العدس في الشتاء ثم تحصده وتدرسه وتستخرج حبه ليكون طعاماً لأولادها وأسرتها على مدار العام لأنه من المأكولات المفضلة والرئيسية التي يعتمد عليها أهل الصحراء في غذائهم.

وبعد:

فإننا في هذه العجالة وفي هذه الصفحات القليلة لا يمكننا حصر كلّ نشاطات المرأة البدوية في صحراء اتسمت بالمحل والجدب، فأخذ كل واحد دوره وعمل عن إيمان وقناعة بأن لكلّ فرد أهميته ودوره في هذه الحياة الدنيا، فكانت المشاركة الفعلية وكان التعاون والإخلاص، وكان للمرأة دورها وأهميتها التي ذكرنا والتي نتمنى أن نكون قد أوفيناها بعض حقها وذكرنا بعضاً من جليل أعمالها، والله من وراء القصد.

Please reload