جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

تدوين الأثر/ تاريخياً/ وثائقياً رواية ما انكشف عن حجر الصوّان إنموذجا

2016-7-23

(هذا المكان غرق فيه الصمت واستقر في قعره سنوات طويلة،وعقود من التاريخ،ظن الناس ان الذي حصل في النجف عام 1918م،قد تبدد وتلاشى من الذاكرة ولم يبق منه شيء،لكن الرياح عندما تهب تحرك كل ساكن وترفع معها ضجة لا سبيل الى وصفها….).

هكذا يختتم الروائي محمود جاسم عثمان النعيمي،روايته الصادرة حديثا عن دار سطور للنشر والتوزيع ((ما انكشف عن حجر الصوان ــ النجف 1918)) وبواقع 273 صفحة من القطع المتوسط.قدم خلالها سفرا روائيا مكانيا،وحفريات كتابية لمدينة عريقة اسست حضورها في الذاكرة والتاريخ والوجدان،تلك هي (النجف الأشرف)…يفتتح الروائي النعيمي خطاطته متوجسا،بين خوض المغامرة الكتابية ونتائجها،وبين وضع خطوته الأولى وهو يفتح درج الوثائق التي بين  يديه،والتي ضمت شخوصا واحداثا ووقائع،كانت كلها ناطقة بما فعلت وما خطت على اديم تراب هذي المدينة المقدسة…..ليمهرها بختم ديباجته (المؤلف/أنا…./التاريخ? تساؤلات الذات العارفة تقوده الى نقطة صفرية لخط العبارة الأولى ربما،من هنا نقرأ((حتما سنقرأ في الصفحات التالية عن حوادث لانستطيع ان نؤسس لها فيما اذا كانت من الحقيقية او المتخيل…فقطعا نحن جميعا من الذين يعيشون الآن،ولم نكن بصحبة اولئك الذين اتت على ذكرهم هذه الصفحات)). لنصل عند ص9 ((انا ايضا سأحذو حذو المؤلف والتاريخ،فقد اصابتني عدواهما،لذا سوف لن اعطيك رأيا قاطعا..؟؟ساتركك تكتشف كل هذا بنفسك،ومنه ستعرف من الذي سطر هذه الصفحات وماذا كان يريد))…هل نحن عند لعبة روائية اتخذت من اساليب السرد الحديث طريقا..؟ هل نحن ازاء ذات ساردة تفتعل التغييب لتقدم لنا خطاطة ممهورة باحداث التاريخ والوقائع يتخفى عنها كاتبها…؟؟ام ان الكاتب يود ان يكون شاهدا لا فاعلا حقيقيا في الأحداث متبنيا وجهات نظر تعيد رسم الأحداث والوقائع؟ السرد الروائي الذي اختطه الكاتب بصيغة (الراوي العليم) وهو يتتبع الرواية ترسم مساراتها،المسارات التي حددتها تاريخية اللحظة في الزمان والمكان (النجف/1918)…لتنفتح الحياة بكل تفاصيها،امكنة،حوارات،مصائر،ذكريات متقادمة،قسوة محتل….الخ،من هنا اراد لنا الروائي محددات اشتغال سرده على وفق رقعة احداثه الجغرافية …((هل ارادوا ان يثبتوا للجميع انهم غير هذا؟اثبات الذات؟ كيف يمكن ان يكون في مجتمع يدين بالولاء والطاعة لثنائي تاريخي وحديدي متمترس على نفسه لايجسراحدا على الاقتراب منه،،رجل الدين وشيخ العشيرة والمحلة)).من هنا اكد لنا الروائي محددات اشتغال سرده على وفق الرقعة الجغرافية، تتصاعد الأحداث منذ بدء تواجد القوات الانكليزية عند عتبات النجف واتخذاهم معسكرات(حاميات)، ومن ثم توتر العلاقات بينهما وشعوراهالي النجف ان ثمة شيئا غريبا قد اخترق خصوصية الانتماء لهذي المدينة…((وهؤلاء الفتية آمنوا بقضية كبرى،تحرير النجف وطرد الانكليز، وشعروا انهم نواة حركة تحرير مقدسة،وان هذه الأرض قد اودعت امانتها عندهم))ص31. اعتمد الكاتب الى تقسيم روايته الى صفحات (كل صفحة هي تدوين للأحداث ورصد حركة الشخوص وتنامي الفعل الدرامي بممازجة ذكية بين قدرة الروائي على ادارة هذا الفعل وبين ماتوافرعليه من وثائق، من هنا كان ثبت التاريخ زمانا ومكانا مثل 18/3/1918.مع توحد صوت الشخصيات وابرزها(مهدي البقال) مع صوت الثوار الآخرين وبروز دور المقاومة كحل امثل ووحيد لاستعادة كرامة اهالي النجف،مع تصاعد وتيرة اساليب العنف والتعامل اللاانساني للمحتل،بكسرعنصرالخضوع وعدم الاستجابة لأوامر الدورية الانكليزية للشابين بضرورة تسليم سلاحيهما. وهذا واضح عند الصفحة76،والوصف الدقيق للحالة النفسية التي انتابت الأخوة (سعد واحمد راضي) وهما يرمقان جنود الدورية. توافر الأحداث وتسارع معطياتها ورصد حركة الشخوص بالاعتماد على حواراتها من اجل دفع الفعل السردي باتجاه التوتر كصيغة مطلوبة لشد القارئ. لكن الروائي هنا لم ينس (المونولوغ الدرامي) كصوت هامش وضمير محرض في نفس الوقت للشخصية التي تواجه ماوصلت اليه حال هذه المدينة والتي هي جزء من بلد حاول المحتل تقطيع اجزائه وتنفيذ مخططاته الاستعمارية..((عبد حميمة هذا الفتى اليافع،ماذا يعرف عن وطن لم يتشكل بعد..كان عراقا منذ الأزل،وكان مركز الإمبراطورية العربية الإسلامية،لكنه عندما وعى وجده ثلاث ولايات،،فأين الوطن من عقله وقلبه?)). اذا كانت السيرة الذاتية قد ارتبطت بخصوصيات سردية لذات ما،اي ان المدون هو نفسه للوقائع والحياة والمكان،فان رواية  ما انكشف عن حجر الصوان،حايثت هذ المنطوق،ذلك للثقل الأكبر للوثيقة وحضورها الطاغي على المسار السردي،بوصفها متنا حكائيا…ذلك ان الكاتب اخبرنا تنصيصا ومنذ البدء ان التاريخ هو من كتب نفسه..وما عمله (الكاتب) الا اعادة فرش الوثائق التاريخية ووصلها ببعضها.

 


من هنا صار على الرواية ان تزجنا معها للبحث عن طبيعتها الجمالية للقبض على سحر السرد وتسامي البطولة وبالتالي ترك الأثرالانساني في دواخلنا،وكذلك الحرص على ضخ فلسفتها الخاصة معرفيا ووجوديا وبما تمثل من خطاب يعي مايريد ويعكس توجهات الروائي،سواء اتفقنا معه ام لم نتفق.من هنا لنا ان نسأل،هل اراد الكاتب ان يقدم لنا يقينياته بالتاريخ..؟ الصفحة الثانية (اي تطورات الأحداث وتصاعدها)..وعند ص2/79 الإشارة الى قداسة المدينة وتحولها الى مركز ديني هام،ذلك ان العلاقة الروحية بين رجل الدين والناس علاقة وطيدة يسودها الود والطاعة،،وحضور رجل الدين بوصفه ليس خطيبا منبريا او واعظا بل هو (مرجع ديني) جعل منه شخصية مقدسة داخل العقل الشعبي،مؤكدا الكاتب تاريخ تأسيس (المدرسة الفقهية)لكي تكون بداية عهد جديد في حياة وتاريخ النجف.

Please reload