جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

تراثنا العلمي والحديث عن حوار الحضارات وتعدد الثقافات

2015-3-28

لقد كتب الكثير عن تقدم العلوم العقلية والنقلية عند المسلمين في العصور الوسيطة، وعن إسهام المسلمين بوجه عام في كل مجالات العلم والفكر، وعن استفادة الغرب فيما بعد من ازدهار الحركة العلمية والفكرية في العالم الإسلامي، ولذلك يقول البعض: ليس ثمة ما يدعو إلى فتح ملفات هذا الموضوع من جديد. 

وفي رأينا أن هذا الموضوع لا ينتهي بالتقادم، أو بالطرح الموسمي، وعليه فإن أي حديث عن تعدد الثقافات أو الحوار بين الحضارات، أو قضية التأثير والتأثر.. أي حديث في هذا السياق لا يمكن أن يخلو من الإشارة الصريحة إلى جهد المسلمين في تقدم العلوم، في نفس الوقت الذي يجب أن نعترف فيه بإسهامات عدد كبير من أهل الاستشراق بالذات في إبراز فضل المسلمين على الحضارة الغربية، وعلى التقدم العلمي الحديث لديه.

نقول: إننا في أمس الحاجة إلى ضرورة إلقاء الضوء الكاشف مرات ومرات، على هذه الناحية، ناحية الدور الذي قام به أهل الاستشراق في مجال خدمة تاريخ العلوم عند المسلمين، وذلك بما قاموا به من تحقيقات علمية، وأبحاث ودراسات، وكتابة مقالات وآراء حول دور المسلمين في النهوض بالعلم.

وعندنا: إن هناك العديد من الجوانب المتعلقة بالتراث العلمي الإسلامي في حاجة إلى المزيد من الدراسة والتأمل والتفكير والتحليل، خاصة وأن وقتنا الحالي بما فيه من تداعيات وملابسات والتباسات يحتم علينا المزيد من الاهتمام بتراثنا العلمي، واضعين في الاعتبار أن أي حديث عن اهتمام أهل الاستشراق بتراثنا العلمي سيضع في اعتباره الحديث عن دور المسلمين في العطاء العلمي للبشرية، بعيدًا عن أي تعصب أو ادعاء أو مبالغة.

ونعترف هنا أن هناك بعض الجهود التي تبذل في العالم الإسلامي بهدف إحياء التراث العلمي الإسلامي، ولكن بكل أسف نلاحظ أن هذه الجهود كثيرًا ما تتكرر بدون أدنى تنسيق بين الجهات المنوطة بذلك، وهذا يؤدي إلى ضياع الكثير من المال والوقت والجهد، وحبذا لو انطلقت هذه الجهود من إطار علمي منهجي سليم.

إن الاهتمام بالتراث العلمي الإسلامي يجب أن يقابل من جميع مؤسساتنا العلمية والتعليمية والثقافية بالترحيب والتشجيع، بعد أن طال إغفاله وإهماله والانصراف عنه.

نعود بعد ذلك لنقول: معنا الآن ابن النديم، الذي ولد ونشأ في بغداد العباسية، خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) والذي عني بالتاريخ واللغة والأدب، وشهرته في التأليف مرتبطة بتأليفه لكتاب (الفهرست) وهو في نشأة العلوم، وأقدم الكتب في هذا المضمار.

ويعد كتاب (الفهرست) لابن النديم من أهم الكتب في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، فهو وثيقة مهمة يمكن لنا أن نتعرف من خلالها على ملامح الازدهار الثقافي، ولقاء الثقافات والحضارات في إطار الحضارة الإسلامية، وهذا ما نؤمن به، وندعو إليه بعيدًا عن أكذوبة صراع الحضارات أو نهايتها، واضعين في الاعتبار أن الله تعالى خلقنا فوق المعمورة الأرضية من أجل أن نتعارف، ونتفاهم، ونتبادل الآراء والخبرات والأفكار، من أجل أن نتعاون ونتضامن ونتكاتف، وهدفنا في كل ذلك هو السعي من أجل العيش في واقع أفضل وأحسن للبشرية جمعاء.

إن نحو ثلث كتاب الفهرست لابن النديم، يتناول الرافد الأجنبي، وتأثيره في الحضارة الإسلامية، وعليه فإن هذا الكتاب يعد من هذه الزاوية مصدرًا مهمًا يدلنا على المعرفة العميقة الواعية بتراث اليونان والفرس والهنود.

لقد بذل المسلمون جهودًا كبيرة من أجل نقل هذا التراث (تراث الآخر) والإضافة إليه، بعد أن استوعبوه جيدًا، ونقدوه، وحذفوا منه الكثير الذي لا يتناسب مع العقل أو المنطق، أو الذي لا يتفق مع ثوابتهم، وكان ذلك في جميع التخصصات: الفلسفية، والرياضية، والطبيعية، والطبية، والموسيقية، والكيميائية... الخ.

هذا، وقد خصص ابن النديم صفحات للحديث عن «جالينوس» أشهر أطباء اليونان، وعن مؤلفاته التي قام حنين ابن إسحق وتلاميذه من المترجمين المسيحيين السريان بترجمتها في العصر العباسي.

والسريان- كما نعلم- هم أبناء اللغة السريانية، وكانت هذه اللغة من أهم لغات بلاد الشام والعراق قبل الإسلام، وظلت مستخدمة عند بعض الجماعات إلى جانب اللغة العربية في إطار الدولة الإسلامية، والحق يقال أن السريان أسهموا في حركة ترجمة التراث اليوناني إلى السريانية، وإلى العربية، كما أسهموا بعلمهم في النهضة العلمية الإسلامية.

وفي نفس الوقت ينبغي علينا ألا ننسى أعلام الطب الإسلامي، مثل: أبي بكر الرازي، طبيب الدولة الإسلامية الأول، الذي ألف أكثر من مائة كتاب في علوم الطب، فهؤلاء جميعًا ذكرهم ابن النديم، وعرفنا بجهودهم في التأليف والترجمة، ولهذا يعد كتاب «الفهرست» من أهم الكتب الدالة على أهمية التعددية الثقافية، وضرورة لقاء الثقافات والحوار بينها، من أجل نهضة فاعلة لسائر الأمم.

وبهذه المناسبة يجب القول أن الثقافة اليونانية كانت أكبر تأثيرًا في العلوم العقلية التي ألف فيها المسلمون مثل الطب، والرياضيات، والفلسفة وغيرها.. وأن الثقافة الفارسية كانت أكثر تأثيرًا في الأدب العربي، وفي نظام الحكم، وفي الفنون بوجه عام.. والمجددون في الأدب العربي نثرًا وشعرًا كانوا من أصل فارسي.

نقول: نحن لا ننكر فضل أهل الاستشراق على تاريخ العلوم العقلية الإسلامية، مهما كان اختلافنا مع بعضهم في بعض المنطلقات الفكرية.. إن لأهل الاستشراق الباع الأجل في الكشف عن تاريخ العلوم عند المسلمين، وهو فضل رائع وعظيم، يعيه ويدركه جيدًا كل من له اطلاع، ولو قليل في مجال الدراسات الإسلامية، أو في تاريخ العلوم الطبيعية.

لقد تناول أهل الاستشراق التراث العلمي الإسلامي بالتحقيق والتمحيص والدرس، والمقارنة بينه وبين أصوله اليونانية والهندية، وتأثيره على الغرب في العصور الوسيطة، وأوائل العصر الحديث.

وعليه فلا ضرر أن نقوم بدراسات وأبحاث تحاول أن تعرض لأطراف مما قاموا به، ولا بأس أن تكون هذه الدراسات مسهبة ومعمقة، أو تكون سريعة عاجلة غير مستقصية أو مستفيضة، وهذا النوع الأخير يمكن أن يكون في شكل مقالات تنشر في الصحف السيارة، أو في المجلات العامة، أما النوع الأول الذي ينطلق من الإسهاب والتفصيل فيحتاج إلى مجلدات ومجلدات، ويكفي أن يعلم القارئ أن مجرد السرد الببليوجرافي لجهود أهل الاستشراق في دراسة العلوم الإسلامية، يمكن أن يستغرق بمفرده أكثر من ألفي صفحة أو ما يزيد على أقل تقدير.

فلا غضاضة بالمرة من أن نعترف بجهد الآخر، والآخر هنا قدم خدمة جليلة لتراثنا العلمي، فما المانع من أن نشكره ونقدره، ونحاول أن نطور ونعمق ونجود ما قام به، ونبدأ من حيث انتهى، ومهما اختلفنا معه، فإن الود لا يفسد للعلم والفكر الإنساني قضية.

ويرى كاتب هذه السطور أن أوضح وسيلة أو طريقة لتناول موضوع جهود أهل الاستشراق في خدمة العلوم العقلية الإسلامية، هو أن نتناوله: علمًا علمًا، وبالطبع قد لا يتمكن أي باحث من ذكر أو الحديث المفصل عن كل العلوم، إذن فلا ضرر إذا قام بذكر بعض ما قام به هؤلاء المستشرقون في دراسة تاريخ العلم العربي، وبحثه وتحقيق نصوصه.

وختامًا: فليس عيبًا على الإطلاق أن نسعى لعلم الآخر أو فكره، نفحصه، ندرسه، نتأمله، ننقده، ثم نأخذ منه ما ينفعنا، وما يصلح لنا، وما يتفق مع ثوابتنا.

Please reload