جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

رَحِيْلُ العَلامَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ جَعْفَرٍ الكُرْبَاسِيِّ

2016-1-20

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ 

 

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ المجادلة: 58- 11، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ  عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ فاطر: 35- 28، ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ الفجر: 89- 27-30


رَحَلَ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ  التَّاسِعِ مِنْ رَبِيْعٍ الثَّانِي 1437ﻫ. المُوَافِقِ فِي 20 / 1/ 2016م. فِي النَّجَفِ الأَشْرَفِ المَغْفُوْرُ لَهُ  العَلامَةُ اللغّوِيُّ وَالنَّحْوِيُّ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ جَعْفَرٍ الكُرْبَاسِيُّ نَجْلُ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيْمَ الكُرْبَاسِيِّ أَسْكَنَهُ اللهُ فَسِيْحَ جَنَّاتِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ شَآبِيْبَ رَحْمَتِهِ، عَنْ عُمُرٍ نَاهَزَ التَّاسِعَةَ وَالثَّمَانِيْنَ عَامًا حَيْثُ وُلِدَ الرَّاحِلُ فِي النَّجَفِ الأَشْرَفِ عَامَ 1927م  وَتَتَلْمَذَ عَلَى وَالِدِهِ المَرْحُوُمِ العَلامَةِ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيْمَ الكُرْبَاسِيِّ، ثُمَّ التَحَقَ عَامَ 1963م  بِكُلِّيَّةِ الفِقْهِ النَّازِلَةِ مِنْ رَحِمِ جَمْعِيَّةِ مُنْتَدَى النَّشْرِ وَالمُعْتَرَفِ بِهَا رَسْمِيًّا مُنْذُ عَامِ 1958م  يَوْمَ كَانَتْ بِنَايَتُهَا فِي دَوْرَةِ الصَّحْنِ الحَيْدَرِيِّ المُطَهَّرِ وَبِجِوَارِهِ، عَلَى يَمِيْنِ الخَارِجِ مِنَ الصَّحْنِ الشَّرِيْفِ وَالدَّاخِلِ فِي السُّوْقِ الكَبِيْرِ، وَكُنْتُ أَرَاهُ، رَحِمَهُ اللهُ طَالِبًا فِي الكُلِّيِّةِ نَشِطًا، يَفِيْضُ عِلْمًا، وَكَانَ مُنْذُ شَبَابِهِ يَهْتَمُّ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَيَأخُذُ عَلَى مَنْ يُخْطِئُ نَحْوِيًّا أوْ صَرْفَيًّا أَوْ لُغَةً مِنْ الطُّلابِ وَيُصَحِّحُ لَهُ، وَكُنْتُ أسْمَعَهُ يَقُوُلُ لَهُمُ لا تَجْمَعُوا المَصْدَرَ فَإِنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ، وَلَعَلَّهُ بَدَأَ بِإِعْرَابِ القُرْانِ يَوْمَ كَانَ طَالِبًا فِي كُلِّيَةِ الفِقْهِ، وَكَانَ مِنْ زُمَلائِهِ وَمِنْ دَوْرَتِهِ، الأستاذ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ كَاظِمٍ البَكَّاءُ، وَالدُّكْتُورُ عَبَّاسُ التُّرْجُمَانُ وَالشَّهِيْدُ السَّيِّدُ مُحَمّدُ رِضَا بنُ السَّيِّدِ مُحَمَّدِ حُسَينِ الحَكِيْمُ وَالشَّهِيْدُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بنُ السَّيِّدِ مُحَمَّدِ حُسَيْن الحَكِيْمُ وَالسَّيِّدُ جَوَادٌ الحَبُّوبِيُّ وَحُسَيْنُ عَبُّوْدِ الحَسَنِ وَنَاصِرٌ المُؤَذِّنُ وَفَجْرِيُّ شِيْرُ عَلِيٍّ وَفَرْهُودُ مَكِيّ وَغَيْرُهُمُ، وَبَعْدَ تَخَرُّجِهِ فِي كُلِّيَةِ الفِقْهِ عَامَ 1967م اسْتَمَرَّ بِاعْرَابِ القُرْانِ الكَرِيْمِ حَتَّى أَنْجَزَهُ، وَنَشَرَهُ فِي ثَلاثِيْنَ مجلدا كَمَا شَرَحَ كِتَابَ قَطْرِ النَّدَى وَبَلِّ الصَّدَى، لِجَمَالِ الدِّيْنِ عَبْدِ اللهِ بنِ هِشَامٍ الأَنْصَـارِيِّ (708-761ﻫ.-  1309-1360م ) وَالكَتَابَانِ يَدُلانِ عَلَى عُلُوِّ كَعْبِهِ فِي عِلْمِ النَّحْوِ العَرَبِيِّ وَتَضَلُّعِهِ مِنْهُ، وَعَكَفَ الطُّلابُ وَالبَاحِثُونَ عَلَى دِرَاسَتِهِمَا. فَهْوَ أَحَدُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَعِلْمِ النَّحْوِ، وَقَدْ أَفْنَى الرَّاحِلُ الشَّيْخُ الكُرْبَاسِيُّ حَيَاتَهُ فِي دِرَاسَةِ النَّحْوِ وَالتَّأْلِيْفِ فِيْهِ وَتَدْرِيْسِهِ، لِطَلَبَةِ العُلُوُمِ الدِّيْنِيَّةِ فِي الحَوْزَةِ العِلْمِيَّةِ فِي النَجَفِ الأَشْرَفِ، وَأَشْرَفَ عَلَى بَعْضِ رَسَائِلِ المَاجِسْتيرِ وَالدُّكْتُورَاه لِطُلابِ الجَامِعَاتِ، وَشَارَكَ فِي عَدَدٍ مِنَ المُؤْتَمَرَاتِ العِلْمِيَّةِ الخَاصَّةِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَجَرَى مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ 120 حِوَارًا صَحَفِيًّا وَإِعْلامِيًّا مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الصُّحُفِ وَالمَجَلاتِ، وَالقَنَوَاتِ الفَضَائِيَّةِ، وَالمَحَطَاتِ الإِذَاعِيَّةِ، وَكَانَ، رَحِمَهُ اللهُ، يُؤَكِّدُ أَنْ يُلِمَ الإِعْلامِيُّ بِاللُغَةِ العَرِبِيَّةِ وَقَوَاعِدِها وَيُتْقِنَ عِلْمَ النَّحْوِ، وأَنْ َتَكُونَ لَدِيْهِ ثَرْوَةٌ لُغَوِيَّةٌ كَمَا يُؤَكِّدُ ضَرُوْرَةَ تَمَسُّكِ المُجْتَمَعِ العِرَاقِيِّ وَالعَرَبِيِّ بِلُغَتِهِ العَرَبِيَّةِ لأَنَّهَا هُوِيَّتُهُ، وَلأَنَّهَا لُغَةُ القُرْآنِ الكَرِيْمِ، كُنْتُ أَرَاهُ، رَحِمَهُ اللهُ بِشَخْصِيَّتِهِ العِلْمِيَّةِ الهَادِئَةِ يَتَحَلَّى بِتَوَاضُعِ العُلَمَاءِ، فَإِذَا امْتَلأَتِ السَّنُابُلُ بِالْعَطَاءِ طَأْطَأَتْ تَوَاضُعًا، وَإِذَا تَحَمَّلَتِ الأَغْصَانُ المُثْمِرَةُ تَنْحَنِي تَوَاضُعًا وَلا يَشْمَخُ إِلا الفَارِغُ مِنَ الثَّمَرِ، وَقَدْ حَازَ الرَّاحِلُ تَكْرِيْمَ عَدَد مِنَ الجِهَاتِ العِلْمِيَّةِ، والإِعْلامِيَّةِ وَالأَدَبِيَّةِ عَلَى نَشَاطِهِ العِلْمِيِّ كَجَامِعَةِ الكُوْفَةِ، وَوِزَارَةِ الثَّقَافَةِ وَالإِعْلامِ، وَأتِّحَادِ أُدَبَاءِ العِرَاقِ، وَنِقَابَةِ الصَّحَفِيينَ، وَمَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَالعَتَبَاتِ المُقَدَّسَةِ فِي العِرَاقِ.


بِرَحِيْلِ العَلامَةِ مُحَمَّدِ جَعْفَرٍ الكُرْبَاسِيِّ، فَقَدَ النَّجَفُ وَالعِرَاقُ وَالعَالَمَيْنِ العَرَبِيُّ وَالإِسْلامِيُّ عَالِمًا عَامِلاً كَبِيْرًا مُتَضَلِّعًا مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ، أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيّةِ وَنَحْوِهَا وَخَدَمَ القُرْانَ بِإِعْرَابِهِ لِفَهْمِ مَعْنَاهُ وَلِئَلا يَعْتَوَرَ القَارِئَ خَطَأٌ فِي  النُّطْقِ.
 

رَحِمَ اللهُ الشَّيْخَ الكُرْبَاسِيَّ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ مَاتَ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.
وَلَنَا فِي أَنْجَالِهِ وَأَخصُّ الأُسْتَاذَ الدُّكْتُورَ مُحَمَّدَ بَاقِرِ الكُرْبَاسِيَّ وَالأُسْتَاذَ فِرَسَ الكُرْبَاسِيَّ خَيْرُ خَلَفٍ لِخَيْرِ سَلَفٍ، وَنَأْمَلُ أَنْ يَنْشُرَا مَا لَمْ يُنْشَرْ مِنْ عَطَاءِ الرَّحِلِ العِلْمِيِّ.

الكلمات الدّالة:

Please reload