جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

صدر كتاب عن مفهوم الدولة الإسلامية بعنوان أزمة الأسس وحتمية الحداثة

2015-1-29

صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتابا للباحث أمحمد جبرون بعنوان "مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة"، وامحمد جبرون من مواليد 1971 بالمغرب، نال الدكتوراه وعمل في التدريس الثانوي والجامعي، تخصص بالتاريخ والجغرافيا،  له مجموعة من الكتب منها: الفكر السياسي في المغرب والأندلس في القرن الخامس الهجري(2008)، المقاصد في الفكر الإصلاحي الإسلامي (2009)، الإسلام والحداثة (2009)، إشكالية الوظيفة الدينية في الدولة المعاصرة (2011) وفصول من تاريخ المغرب والأندلس (2013).

وهذا الكتاب يقع في 392 صفحة من الحجم الكبيرقسمه صاحبه إلى أربعة فصول بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة وفهرس للموضوعات وقائمة بالمراجع التي اعتمد عليها،يهدف من خلاله إلى محاولة الحسم في إشكالية الحداثة السياسية، ومواكبة جهد بناء الدولة - الأمة المتعثرة، وتأسيس مشترك ثقافي بين الأطراف التي تتجاذب شرعية الحداثة السياسية في العالم العربي، وتحديدا الإسلاميين والعلمانيين، وتأسيس هذا الطموح على فرضية رئيسة مفادها أن سؤال "الإسلامية" الذي ملأ الدنيا ليس هو المشكلة الحقيقية، بل هو مجرد مظهر لمشكلة أعمق وأعقد وهي مشكلة العطب الإصلاحي-التاريخي الذي حدث قريبًا من عهدنا خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واستمر بعد الإستقلالات الوطنية، ومن ثم ليس حل أزمة "الإسلامية" في الماضي السحيق للأمة (الخلافة الراشدة)، ولا يكمن في إقناع العلمانيين بأن في الإسلام سياسة، أو إقناع الإسلاميين بمدينة الإسلام.

ويرى جبرون أن أصل الخلل في تصور إسلامية الدولة لدى الإسلاميين منهجي، يكمن أساسا في مناهج قراءتهم للنص الشرعي (القرآن والسنة) الذي يعطي الأولوية للأحكام بدل الحكم، ويثير الجزئيات على الكليات، الشيء الذي يفوت عليهم فرصة الوعي بالمصادر الكلية للإسلامية في النص الشرعي، حيث إنهم ربطوا بين هذا الوصف وتطبيق الدولة لمجموعة من الأحكام الجزئية (الشريعة و الحاكمية)، أو اتخاذها شكلا معينا (الخلافة)، وبذلك يحاول المؤلف تجاوز هذا الخلل عن طريق السعي نحو تحرير النص الشرعي من التاريخ وآثار الثقافة العالقة بالفهم الموروث واستخلاص مناط جديد للإسلامية يختلف تماما عن المناط الكلاسيكي الذي ربطها وجودا وعدما بالأحكام والأشكال، ويتأسس على مبادئ كلية وأصول عامة، قوية السند شرعا، وقابلة للتأقلم والتكيف مع متطلبات التحديث السياسي.

في الفصل الأول (الإسلام وأصول الحكم) دعا الكاتب إلى تجديد النظر في قضية مكانة السياسة في المصادر الأساسية للإسلام ومحاولة صوغ أجوبة فكرية مقنعة، وقادرة على تأطير العمل السياسي الإسلامي في الوضع الحالي تأطيرا صحيحا وسليما، في ضوء ما استجد من وقائع وحوادث ونظم واكتشافات علمية؛ فعدد من المفاهيم والأطروحات والأفكار التي تتعلق بهذا الجانب أمسى متجاوزا عمليا وتاريخيا ومعرفيا.

وبعد إعطاء مفهوم للسياسة وتاريخ تطور مفهومها عمد أمحمد جبرون إلى قراءة سياسية للنص السياسي الإسلامي بحثا عن جذور الفكرة السياسة في الإسلام بدءا بالقرآن الكريم وانتهاء بالتجربة النبوية، هذا وقد دعا الكاتب في هذا الفصل إلى تجديد قراءة القرآن وتجديد أصول الفقه نظرا إلى تلازمهما، لأن قراءة المتقدمين للنص القرآني واجتهادهم الأصولي أصبحا في كثير من الجوانب مانعين من التماس المباشر مع القرآن، كما أكد على أن إشكالية القراءة واستثمار خطاب الشارع (القرآن) ليست إشكالية معاصرة وليدة العهود المتأخرة، بل هي قديمة، جسّدها  الخطاب الأصولي بجلاء ووضوح. وعلى الرغم من الصعوبات الجمة التي واجهها هذا الخطاب، قد نجح ختاما في إيجاد تسوية مقبولة لجدل الثابت والمتحول داخل النص القرآني، وحقق رجالاته رسالية القرآن من خلال عدّة منهجية قوية وغنية مكنتهم من التجاوب مع عصرهم، فهل ما أقره المتقدمون من الناحية المنهجية (الأصول)، وما نتج منه من فهم وفقه ملزم للمتأخرين، كما دعا الكاتب خلال هذا الفصل إلى البحث عن الهوية الإسلامية التي ضعفت في خضم الجري وراء الأحكام الجزئية، إذ من مقتضيات هذه الوجهة الجديدة من الناحية المعرفية التناول الكلي والموضوعاتي لتجربة النبوة والرسالة، والاجتهاد من أجل ربط التفصيلات بعضها ببعض، بدل التركيز على الجزئيات منفصلة ومنفردة.

لقد خلص جبرون في نهاية هذا الفصل إلى أن الدولة في المجال الإسلامي مقتضى تاريخي لا مقتضى ديني، وأنها هي من تحتاج إلى الدين وليس العكس، لينتهي بعد تأمل عميق ورصين في ضوء حقائق القرآن وتجربة الرسول السياسية، وسننها المنهجية إلى أصول ثلاثة: البيعة، العدل والمعروف، وهي التي يتعلق بها حكم "الإسلامية" وجودا وعدما، وكل هذا لا يتأتى إلا بإعمال منهج السعي نحو تحرير النص الشرعي من التاريخ وآثار الثقافة العالقة بالفهم الموروث.

في الفصل الثاني (دولة الراشدين وأرخنة الأصول) ذهب الكاتب إلى أن الخلافة الراشدة على الرغم من قصر مدتها فقد نجحت في تنزيل الأصول السياسية للإسلام تنزيلا تاريخيا، بعد طور التبلور في المدينة المنورة بقيادة النبي، بل الأكثر من هذا ساهمت في إتمام المهمة السياسية للنبوة التي بقيت بحاجة إلى البعد التاريخي، إضافة إلى البعد الديني. فإذا كان النبي عليه السلام بين أصول الاجتماع السياسي الإسلامي ومبادئه وأقرها عمليا استنادا إلى سلطته الروحية، باعتباره رسولا من رب العالمين، فإن الخلفاء من بعده امتثلوا لهذه الأصول وأقروها استنادا إلى سلطة سياسية تاريخية، وباعتبارهم آدميين، الشيء الذي أدى إلى "أرخنة" هذه الأصول، أي جعلها تاريخية، بعدما كانت في طور النبوة أصولا دينية صرفة، كما أن عصر الراشدين شهد، حسب قول الكاتب، تطبيقا واسعا لأصول الاجتماع السياسي الإسلامي والمتمثلة في البيعة والعدالة والمعروف ليعكس ذلك مرونة هذه الأصول الكبيرة وقابليتها للتكيف مع الأوضاع والأحوال التاريخية المختلفة، فاجتهاد الخلفاء الراشدين الحر في تنزيل أصول الاجتماع السياسي الإسلامي ومراعاتهم الشديدة للأحوال المحيطة بهم يدلان دلالة قاطعة على مدنية الممارسة السياسية في الأطوار الأولى من التاريخ الإسلامي.

وخلاصة القول في هذا الفصل هو أن دولة الخلفاء الراشدين نجحت نوعا ما في تثبيت سلطة الأمة عبر تعيين الخلفاء كما نجحت في إقرار قدر مهم من العدل وذلك بانحياز الخلفاء الراشدين في قراراتهم الاقتصادية والاجتماعية نحو الفقراء، كما ظهر، لإقامة العدل، التضافر والتعاون بين الشريعة التي كانت محدودة نصا والعرف المحلي، أما فيما يتعلق بالمعروف والذي هو مصلحة دائمة دينية ودنيوية لا يحدّها الزمان ولا المكان، فيرى أمحمد جبرون أن دولة الراشدين قد فشلت في توسيعه وذلك لأسباب تتعلق بحداثة الدولة الإسلامية وطغيان المشاكل العسكرية والأمنية.

في الفصل الثالث (دولة العصبية: الإسلام السياسي التاريخي) رحل بنا الكاتب عبر دروب ومسالك غير معهودة في الكتابة السياسية الإسلامية المعاصرة، يتداخل فيها التاريخ مع الفقه والفكر، ويفسر بعضها بعضا، وكانت غايته من ذلك كما صرح هي تغيير كثير من الانطباعات والرؤى الساذجة الموروثة عن الدولة الإسلامية، وبالتالي إعادة تعريفها بصورة تسمح بطرح سؤال الحداثة في الفكر السياسي الإسلامي والدولة الإسلامية بشكل صحيح؛ فعندما يفكر أغلب الناشطين والمفكرين اليوم والمحسوبين على التيار الإسلامي في حداثة الدولة الإسلامية يقفزون فوق هذا التاريخ كله، بدعوى أنه غير شرعي ومنحرف، ويتجهون رأسا إلى الخلافة الراشدة، باعتبارها تجسيدا للكمال السياسي في تاريخ الإسلام ومورد الحداثة وهو أمر مجانب للصواب.

وقد ركز جبرون في هذا الفصل على أن فكرة الدولة الإسلامية في منتصف القرن الأول كانت بين مسارين: إما التشبث بشرعية الأمة مع استحالتها التاريخية مع ما قد يتسبب فيه هذا المسار من أضرار ليس أقلها ذهاب الدين، وإما التكيف مع الإكراه التاريخي والقبول بالنقص. وقد اختار المسلمون الخيار الثاني والنزول على حكم التاريخ، وبالتالي فالدولة الأموية والدولة العباسية وغيرهما من الدول الإسلامية التي جاءت بعدهما يعدان تجسيدا لمبادئ الإسلام السياسية في حدود المتاح تاريخيا. وقد انعكس هذا التطور على مستوى شرعية الدولة الإسلامية على مفهوم البيعة؛ فبعدما كانت حقا من حقوق الأمة في عصر الراشدين انقلب هذا الأمر مع دولة العصبية إذ أمست البيعة حقا عصبيا تمارسه عصبية الدولة وباقي الأمة تبع لها، أما فيما يخص ثابت العدل فإن استقرار دولة العصبية ورسوخ دعائمها التاريخية انعكس بشكل ايجابي على مجموعة من وظائف الدولة وأدواتها منها العدل، فقد عرفت العدالة في طور العصبية ازدهارا كبيرا فاق في الكثير من الجوانب ما تحقق في دولة الراشدين بحيث تمكنت الدولة، ومعها الجماعة الإسلامية، من شريعة مكتوبة ومدونة قانونيا، شكلت مرجعية موضوعية للأحكام. وبالتزامن مع هذا التقدم توسع جهاز العدالة أفقيا وعموديا بصورة جدلية مع الواقع ومقتضياته.

أما في ما يتعلق بأصل المعروف فهو الآخر استفاد من تطورات كثيرة لكنها تبقى محدودة مقارنة بما حدث على مستوى العدالة والبيعة إذ بقي محدودا وخاضعا للهواجس العسكرية وذلك بسبب عوامل كثيرة من أبرزها التطور التاريخي وطبيعة الدولة الوسيطية.

في الفصل الرابع (الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة) حاول الكاتب تحليل الأزمة التي أصابت دولة العصبية وبيان أحوال ذلك وحيثياته، كما حاول تقويم آثار هذه الأزمة على مستوى أصول "الإسلامية" (البيعة والعدل والمعروف)، فإذا كانت الأعراض الأولية للاضطراب الذي عانته دولة العصبية في نهاية عمرها، تدل قطعا على أنه اضطراب تاريخي محض ناشئ من أسباب موضوعية فإن الإصلاحات ومساعي التحديث التي حاولت معالجة هذا الاضطراب خرجت به عن هذا المعنى التاريخي، وجعلت من الأزمة أزمة أخلاقية، وأحدثت تعارضا سيئا بين مشروع الإصلاح ومبدأ الدولة الرئيس وهو الإسلام.

وقد خلص الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى أن أزمة الأسس التي أصابت دولة العصبية باعتبارها دولة إسلامية، فرضت على الفكر السياسي الإسلامي التوجه رأسا نحو التحديث، والانفتاح على الواقع، والتجاوب بكل تواضع مع معطياته، وفي هذا السياق تندرج محاولات بناء الدولة – الأمة الإسلامي التي نهضت بأعبائها الحركة الإصلاحية العربية. ولم يكن هذا التطور وهذا التحول يشيان بأي مضاعفات أو التباسات في ما يتعلق بهوية هذه الدولة المزمع إخراجها، غير أن التدخل الاستعماري واختراقه المفضوح والقوي للنخب العربية أوقعا مشروع هذه الدولة في أزمة أخلاقية منكرة، لم تكن ضرورية جرتها عليها القطائع المتعددة التي أحدثها الاستعمار وآثاره الباقية. وقد عكس مفهوم الدولة الإسلامية في التداول العربي المعاصر هذه الأزمة، لذلك هل ما زال أمام العرب متسع لحل هذه الإشكالية، والتجاوز الواعي للقطائع الاستعمارية، وبناء دولة – أمة إسلامية؟

وفي خاتمة هذا الكتاب أعطى أمحمد جبرون مفهوما للدولة الإسلامية في كونها ليست دولة الخلافة بالمعنى الذي يحيل إلى تجربة الراشدين، وليست دولة عصبية تذكرنا بدول العصبيات والأسر المستبدة، وليست دولة شريعة، همها الأساس تطبيق الأحكام الشرعية وحل الأزمة الجنائية، بل هي دولة الوقت التي تَعْمُرُ العالم تشبه جيلها من حيث الشكل والمؤسسات والأساليب ؛ إنها باختصار تطبيق من بين تطبيقات ممكنة للدولة – الأمة التي تسود العالم من أقصاه إلى أقصاه.

 

_______________________

 

سعيد عبيدي: أستاذ باحث في مجال حوار الحضارات ومقارنة الأديان،عضو مختبر الدراسات الدينية والعلوم المعرفية والاجتماعية بفاس، فاعل جمعوي وحاصل على مجموعة من الشواهد التقديرية بفعل المشاركة في عدد من الندوات والملتقيات الأدبية والفنية.

Please reload