جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

كانت أياماً كرباسية

2016-1-22

شاءت الصدف أن يكون الشيخ الجليل الحجة العلم محمد جعفر الكرباسي من أوائل من تعرفت اليهم عند قدومي الى النجف الاشرف أواسط التسعينات من القرن المنصرم ..

في بيت السيد ماجد الشرع في محلة الحويش كنّا معلقين في غرفته ذات السقف الخشبي , نحتسي الشاي مع سجائر السومر المضادة للحصار الظالم , ملتذّين بشدة بقصيدتي (أقفال) التي جئت بها من سامراء , وكنّا قبلها قد انتشينا بغرائب قصيدة النثر التي كتبها السيد بعنوان ( في الطريق الى يدي) , في تلك اللحظات الشعرية عصر يوم شتائي بارد اقترح السيد ماجد أن يعرّفني على الشيخ الكرباسي – وكان صديقه جداً- مؤكداً لي سلفاً أنني سأفرح لهذا التعارف لا محالة , وما هي إلا دقائق حتى دلفنا الى حضرة أمير المؤمنين , ثم انتهينا الى مقبرة صغيرة في نهاية سوباط أمير المؤمنين – وهي الجهة الغربية من مرقد الأمير –

وما أن دخلنا حتى وجدت رجلاً بلحية بيضاء خفيفة يجلس في الزاوية وأمامه حفنة من التبغ وأوراق لف السجائر , رحب بنا الشيخ كثيراً وبدأ بلفّ بعض السجائر دفعها لي وللسيد ولم يتناول منها , فلم أره يدخن السجائر يوماً , لقد فرح كثيراً وانفرجت أساريره حين علم من السيد ماجد أنني أتعاطى الشعر وأكتبه , وفرح أكثر حين علم أنني من خريجي جامعة بغداد رغم ما أنا عليه من وهنٍ وضَعف , وبعد أن علم أنني قبلت في الحوزة العلمية وقد حصلت على غرفة في المدرسة الشبرية , عرض علي الانضمام الى حلقة درسه في كتاب قطر الندى , ودرسه الآخر في إعراب القرآن وعلومه , وكان قد بدأ به وحيداً في حوزة النجف وبتشجيع من آية الله الشيخ بشير النجفي الذي كان يصرف مساعدة شهرية لمن ينتظم في سلك هذا الدرس , وهي محاولة مشكورة من الشيخ البشير والشيخ الكرباسي لإحياء الدرس القرآني في حوزة النجف , وهو ما يجهله الكثيرون , ولم أرَ أحداً يؤرخ لهذه الخطوة المباركة التي لم تستمر طويلاً , وسرعان ما تلاشت وسُكت عنها , ومازلت احتفظ ببعض محاضرات تلك الدورة المباركة ...

▫️وهكذا بدأت علاقتي بالشيخ معلماً ومربياً لي طيلة ثلاث سنوات كانت حافلة بالعطاء والثمرات الصالحة , وقد أكملت على يد الكثير من شؤون اللغة العربية وعلومها , ومن بركات درسه أننا كنا ندرس عنده في مقبرة السيد الحبوبي داخل الصحن الشريف , ويا لسعادة من يقرأ ويدرس تحت خيمة سيد العلماء والاوصياء ..

كان الشيخ الكرباسي يضمر لي كل الحب ويثق بي كثيراً , فهو صديق والدي الشيخ طه , وكان الشخص الثقة في تلك الفترة نادر الوجود والحصول عليه يحتاج الى مشقة كبيرة , ومن نتائج تلك الثقة المتبادلة حديثه الدائم لي عن كل صغيرة وكبيرة كان قد مرّ بها , وما حلّ على النجف الأشرف من فترات عذاب وفاقة , وكان في بعض الأحيان يكشف بعض الاسرار التي صدمتني حينها مما يتعلق بسلوك بعض الشخصيات الاجتماعية والسياسية والدينية , وقد تبين لي فيما بعد مدى دقته وصدقه فيما أسرّني به ..

▫️كنت أصلّي المغرب والعشاء عادة معه في مقبرة والده آية الله الشيخ إبراهيم الكرباسي رحمه الله , وأكثر ما يعجبني فيه أنه لم يكن باستطاعته ردّ محتاج في ذلك الوقت العصيب , حتى إنني رأيته في إحدى المرات يأخذ مبلغاً من المال من خادمه المعروف (أبو عباس) في سبيل قضاء حاجة أحد الطلبة المساكين ..

كان محباً للشعر والأدب ويحفظ عن ظهر قلب جميع شواهد كاب قطر الندى الشعرية , ويتكلم عن كتاب شذور الذهب لابن هشام وكأنه يقلب صفحاته صفحة تلو صفحة , وهذا ما جعلني أتبع طريقته في الدرس والتعامل مع الطلبة , كنت أضحك كثيراً عندما أرى أحداً يتحدّاه , ولا يسلّم برأيه في مسألة نحوية , فهو مستعد للقتال بلا هوادة لساعات طويلة في سبيل إثبات ما يراه , وله إصرار عجيب على حضور الدرس وإدامته , فكان يأتي من بيته في الحنانة مشياً على الأقدام الى فترة متأخرة من عمره , ومنه استفدت الاصرار والعزيمة وعشق الدرس والتدريس ...

 

كان من عادات الشيخ الجليل أن يهدي بعض الكتب التي يؤلفها الى طلبة حلقاته , وما زلت املك مما أفاض علي بعض تلك الآثار ممهورة بخطه الحنون , ومن طريف ما أذكره عن تواضعه , يوم جاء بعض مدراء النشر الاردنيين يبحثون عنه ليأخذوا حقوق طبع بعض أجزاء كتابه (اعراب القران) فجاؤوا بهم اليه في مقبرة والده حيث يصلي المغرب والعشاء , وكانت المقبرة مليئة بصور الموتى المدفونين هناك , فلم يصدقوا أن هذا الرجل الجالس بين الموتى يمكن أن يكون هو المقصود , وبعد أن اطمأنوا الى أنه هو المؤلف بعينه , قال له بعضهم متحسّراً : لو كنت عندنا لكان لك مكتب خاص وسكرتير يقوم بامورك جميعاً ’ لا أن تجلس بين الموتى بلا رتوش , رحم الله استاذي ولولا الإطالة لكتبت عنه الكثير الكثير 

الكلمات الدّالة:

Please reload