جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

رغم الاعتزاز العربي والإسلامي الراسخ والقديم بالكتاب وأدوات المعرفة الذي ميز تاريخ حضارة الإسلام، إلا أن هناك جانباً طريفاً وربما يكون خفياً فيما يتعلق بالعلاقة مع الكتب والتعامل معها، فقد لفت نظري اعتقاد البعض بنحوسية بعض الكتب سواء بالقراءة أو الاقتناء، فالشيخ عباس القمي (ت 1940م) صاحب الكتاب العبادي الذائع (مفاتيح الجنان) وقد كان متتبعاً فذاً لسير الأعلام والشخصيات عندما يتحدث عن أبي الفرج الأصفهاني (ت 967م/ 356هـ) وكتابه يعلق بقوله: «لا يخفى أن كتاب الأغاني كتاب نحس ومشهور بالنحوسة، وإني سمعتُ بعضاً من نحوساته» ! لكنه لم يروِ مع شديد الأسف هذا الذي سمعه وإلا كنا قد ظفرنا بأدب ممتع لا يخلو من ظرافة.

وربما لهذا السبب ينقل عن الزعيم الديني الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت 1954م) في كتابه عن الأغاني أن النجف في زمانه في النصف الأول من القرن الماضي، وهي مدينة العلم والأدب، لا توجد فيها إلا نسخة واحدة من كتاب الأغاني!

ومعروف أن الأصفهاني ألّف أغانيه في خمسين سنة، وكان وزير الدولة البويهية الصاحب بن عباد يسيّر في سفره ثلاثين بعيراً محمّلة بكتب الأدب للمطالعة، فلما ظفر بالأغاني استغنى عن سواه.

ومن الكتب التي عُرفت بالنحس وارتبط اسمها بالشؤم كتاب أبوحيان التوحيدي (ت 1023م/ 414هـ): (في ذم الوزيرين) الصاحب بن عباد وابن العميد والمشحون بالثلب المقذع، ولقد ظل الناس زماناً طويلاً يعتقدون أن هذا الكتاب يجلب النحس على من يقتنيه كما يخبرنا المستشرق السويسري آدم ميتز في كتابه الفريد (عصر النهضة في الحضارة الإسلامية).

ويتجاوز الأمر الكتب إلى الأشخاص، فهناك مقولة تتعلق بالشؤم بكل ما له علاقة بالشاعر ابن الرومي (ت 896م/ 283هـ)، ومن ذلك أن الكتابة عنه أو عن ديوانه تؤدي للضرر أو السوء، وقد حُذّر صاحب العبقريات عباس محمود العقاد (ت 1964م) من ذلك ولكنه أصرّ فسجن وعندما أكمل الكتاب فيما بعد كُسرت رجله!

ويذكر مؤرخ العقاد الأول أنيس منصور: «كان أستاذنا العقاد يعرف تماماً أن الشاعر ابن الرومي يخشى على من يهتم به. فأسرف العقاد في الاهتمام به. وذهب العقاد إلى أبعد من ذلك فاختار بيتاً رقم 13، وهو رقم الشؤم، ووضع على مكتبه تمثالاً لبومة، وهي أيضاً رمز الشؤم». ويضيف منصور: «منذ أيام نشرت الصحف أن أديباً شاباً من أدباء الريف كان قد كتب دراسة عن ابن الرومي وأهداها إلى الأستاذ العقاد يتحدى النحس المعروف عن ابن الرومي.. فدهسه الأوتوبيس وهو يعبر الشارع في طريقه إلى القطار قادماً إلى القاهرة!».

ومن الغريب أن هذا الشاب قد أخبر والديه وأساتذته بأنه سيقوم بتجربة فريدة، وأنه يريد أن يتأكد بنفسه إن كان الذي أشيع عن ابن الرومي صحيحاً أم لا، وكثرت القصص والحكايات فقالت خطيبته إنه فاجأها في يوم من الأيام بفسخ الخطبة ولم تكن لذلك أي مقدمات... ولما سئل قال «لا أعرف السبب حتى الآن!».

 

وحياة «ابن الرومي» حلقة متصلة من توالي المصائب والمآسي؛ فقد جمع بين الفاقة بعد الغنى، وبين موت الأحباب والأولاد؛ ما انعكس على شعره، فكان لا يرى في الحياة أملاً. وكان مشهوراً بالهجاء المقذع والسخرية المرّة وكثرة التطير، وقد أهمله عمداً صاحب الأغاني حنقاً عليه لا استصغاراً لشأنه، فكل من مدح ابن الرومي انقض عليه يسخر منه حتى نفر منه الكثيرون وتربصوا به حتى وضعوا له السم فمات.

وسمعتُ ممن سمع من البحّاثة السيد المرعشي النجفي (ت 1990م) أن كتاب (تاريخ ابن خلدون) ومقدمته يجلبان الفقر، ونقل البعض عن كتاب الفيلسوف الإيراني الملا صدرا (الأسفار) الأمر ذاته. ومن الشائع اعتبار كتب السحر والشعوذة من جملة الكتب المعدودة من كتب النحس والشؤم.

وفي الواقع، فإن إشاعة البعض بأن بعض الكتب تجلب النحس لا يخلو من «مكر إعلامي» يستبطن استبداداً «ناعماً» ويهدف لمحاصرة ومنع انتشار أفكار ليست مقبولة أو مستساغة في بعض الأوساط؛ فمن المعروف أن الفلسفة والعرفان واجهتا في إيران وغيرها من المناطق اضطهاداً شديداً اضطر المشتغلين بها إلى التراجع عن مواقفهم أو الاشتغال بتحصيلها سراً أو الهجرة إلى بلاد الهند خصوصاً في الفترة من القرن العاشر الهجري والقرون التي تلت.

وقد أشقى النبوغ والتفرد بالمواهب بعض العلماء فالجاحظ مات صريعاً بالكتب كما قيل، وقد تودي العبقرية بصاحبها موارد الجنون، فاللغوي المعروف أبوزكريا الفراء (ت822م/ 207هـ) استولى عليه المرض وزال عقله، والجواهري صاحب المعجم المشهور (ت1000م/ 390هـ) أثّرت في عقلة كثرة علمه، إذ صنف كتاب (الصحاح) في اللغة حتى وصل إلى باب الضاد، ثم اعترته وسوسة فانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد إلى سطحه وقال: أيها الناس إني عملت في الدنيا شيئاً لم أُسبق إليه، فسأعمل للآخرة شيئاً لم أُسبق إليه، وضم إلى جنبيه مصراعي باب وتأبطهما بحبل، وصعد مكاناً عالياً من الجامع وزعم أنه يطير فوقع فمات.

في المقابل؛ فإن من الشائع لدى الإيرانيين اعتزازهم البالغ بديوان شعر حافظ الشيرازي والملقب بلسان الغيب وترجمان الأسرار، وهو ديوان معروف يُتفأل به، و «كثيراً ما جاء بيت منه مطابق بحسب حال المتفائِّل». وكان الشيرازي حافظاً للقرآن المجيد على ما يظهر من شعره. كما يتفأل البعض بالديوان المنسوب للإمام علي بن أبي طالب (ع).

ولقد روى لي أحد طلبة العلوم الدينية أن (ألفية ابن مالك) وهي منظومة معروفة في النحو يدرسها طلبة المعاهد والحوزات الدينية، ولها شروح كثيرة منها شرح كتبه ابن ناظم القصيدة، وحينما شرعنا في الدراسة - يقول المتحدث - كانت هناك إشاعة سارية بين الطلبة مفادها أن من يدرس شرح ابن الناظم لا يُكمله أبداً وقيل إن هذا الأمر مجرّب، لكننا لاحقاً علمنا أن هناك من أكمل دراسة شرح ابن الناظم. ولكن محدّثي لم يروِ لي مصير من أكمل دراسة الكتاب! نسأل الله لهم ولكم السلامة.

Please reload