جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

كنوز تاريخية مهددة بالضياع

2014-10-31

يرمي هذا المقال إلى إبراز وجود التراث العربي المخطوط في إفريقيا، وبيان أماكن وجودها، ومحاولة الحكومات والأفراد والمنظمات التي تعتني بحماية هذه الكنوز لإنقاذها من الضياع، وجهود علمائها في مجال التأليف، وقد شرعت بذكر بعض الدول التي يوجد فيها هذا التراث، مبتدئا بالنيجر ونيجيريا ومالي وبوركينا فاسو كنموذج للدول الإفريقية الغربية، ليكون هذا العمل منطلقا يعتمد عليه أبناء القارة في تقويم تراثهم العربي الإسلامي الذي خلفه علماء المنطقة.

 

تحتضن بعض مراكز تاريخية حكومية وغيرها في إفريقيا آلافا من المخطوطات النفيسة التي تحتوي على العلوم العربية والإسلامية وغيرها من العلوم. ويذكر أن وجود المخطوطات في إفريقيا الغربية يعود إلى دخول الإسلام وانتشاره فيها، منذ فجر الدعوة الإسلامية. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن في بعض الإمبراطوريات الإسلامية في غرب إفريقيا: إمبراطورية غانا (1)، وكانم برنو (2)، وخلافة صكتو (3)، كانت اللغة العربية لغة التخاطب والعمل، «وكانت اللغة العربية لغة الدين والثقافة والحياة الإدارية في غرب إفريقيا، منذ أن رسخ قدم الإسلام فيها، وأصبحت الثقافة الإسلامية هي السائدة في المجتمع، وبخاصة في عصور الإمبراطوريات الإسلامية المذكورة» (4). ونتج عن ذلك ميلاد التراث العربي المخطوط لوجود حركة الكتابة وتشجيع السلاطين التقليديين العلماء في دفع عجلة اللغة العربية وثقافتها إلى الأمام.

 

أما في النيجر، فإن أول من قام بجمع واقتناء هذه الكنوز هو بوبو هما، رئيس المجلس الوطني النيجري عام 1974م، وجاءته فكرة جمع هذه النفائس انطلاقا من أعماله في التاريخ، وعلم الاجتماع والسلالة. حيث أدرك أهمية التراث العربي المخطوط في معرفة وإعادة كتابة تاريخ بعض القبائل في النيجر والدول المجاورة. وكانت هذه المخطوطات في مكتبه الخاص بالمجلس الوطني النيجري، قبل أن يتم نقلها إلى معهد الأبحاث في العلوم الإنسانية بجامعة نيامي، بعد الانقلاب العسكري عام 1974م (4). وفي هذا العام تم فتح قسم المخطوطات العربية والعجمية التابع لجامعة نيامي، والذي كلف بمهمة المضي قدما في اقتناء المخطوطات في جميع أنحاء النيجر، والمحافظة عليها، والتحقيق وترجمة بعض النفائس منها.

 

وفي إطار التعريف بكنوز المخطوطات الموجودة في النيجر، قام الدكتور حسن مولاي، رئيس قسم المخطوطات العربية والعجمية بمحاولة ناجحة، متمثلة في إعداد فهرس لجميع المخطوطات الموجودة في المخزن، وبالتعاون مع مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي الموجودة في لندن، تم فهرسة هذه المخطوطات البالغ عددها ما يزيد على أربعة آلاف مخطوطة، مختلفة الأحجام في ثمانية مجلدات. وبعد الانتهاء من عملية الفهرسة، قام القسم بترجمة وتحقيق بعض مخطوطات نفيسة، منها على سبيل المثال لا الحصر: تحقيق كتاب للشيخ عثمان بن محمد ابن فودي، المتوفى في 1233هـ-1817م بعنوان: «فتح البصائر لتحقيق وضع علوم البواطن والظواهر» (5)، حققه وعلق عليه الدكتور سيني موموني وسالو الحسن، وتحقيق مخطوط آخر في تاريخ قبائل زرما التي تقطن منطقة تيلابيري، والجزء الشمالي لدولة مالي بعنوان: «خطوات أهل سندر»، تحقيق الدكتور أيوب لوالي وسالو الحسن، وترجمة مخطوط آخر إلى الفرنسية: «تاريخ أبلغ وغيرها من المناطق» للشيخ عيسى بن منصور الأغلالي، وترجمه إلى الفرنسية الدكتور حسن مولاي، رئيس القسم، وتحقيق مخطوط آخر للشيخ عثمان بن محمد بن فودي بعنوان: «أجوبة محررة عن أسئلة مقررة في جواب الشيخ شيصمص بن أحمد»، قام به الدكتور أيوب لوالي، وإعداد فهرس المخطوطات التاريخية الموجودة بقسم المخطوطات، من إعداد الدكتور حسن مولاي.

 

وعند انعقاد المعرض الأول للمخطوطات في مدينة أغدس الواقعة في شمال النيجر عام 2012م، بغية إخراج هذه الكنوز من طي النسيان إلى عالم الوجود، أكد الدكتور سيني موموني، رئيس قسم المخطوطات على أن الآلاف من المخطوطات النادرة والنفيسة، بعضها موجود في المراكز الحكومية، وأخرى بحوزة مواطنين في المكاتب الأسرية، لا يملكون الإمكانيات المادية والتقنية الحديثة لحفظها من التآكل والظروف الطبيعية وغيرها. وقال: إن عشرة في المائة من هذه المخطوطات معرضة للخطر، بعضها به أثر الرطوبة، وبعضها مهدد لسوء الحفظ والصعوبات التي تعترض الجهود الرسمية لإنقاذها من الضياع.

 

وانطلاقا من هذه الأعمال الجليلة في خدمة التراث العربي الإسلامي، فإننا نشير إلى أهمية هذه الكنوز، وضرورة الحفاظ عليها بالوسائل الحديثة.

 

هذا وإن قسم المخطوطات العربية والعجمية التابع لمعهد الأبحاث في العلوم الإنسانية بجامعة نيامي بصدد تنفيذ جزء من مشروع اقتناء المخطوطات الموجودة في أيدي المواطنين في مناطق النيجر، على الرغم من قلة الإمكانات. حيث بدأ بمنطقتي مرادي وتيلابيري، وتم العثور على مخطوطات كثيرة، مكنت القسم من مواصلة الجزء التاسع من الفهرسة. وأنجز القسم ما يزيد على 20% من ذلك المشروع الذي سيشمل جميع مناطق أخرى، لاقتناء وتزويد أصحاب المكاتب الأسرية بخبرات، لحماية كنوزهم المخطوطة من الاندثار، وعدم السماح ببيعها خارج النيجر.

 

وتزخر جمهورية نيجيريا الاتحادية بالمكتبات التي تشرف عليها الحكومة والمكتبات الخاصة. ومن أبرزها: مركز البحوث وجمع المخطوطات بجامعة بايرو، ويسمى هذا المركز بمركز الوثائق، تم تأسيسه عام 1975م لمساعدة الباحثين والطلبة في جمع مواد بحوثهم وتنظيمها (6). ويبلغ عدد المخطوطات في المركز حوالى ألف مخطوط في التاريخ والعلوم والملفات الحكومية، ومجموعة من مسجلات رئاسة المستعمرات البريطانية، ما بين عام 1899م إلى 1948م، وبعضها مصور على ميكروفيلم. وتنوعت مضامين المخطوطات الموجودة في مخزن المركز بين العلوم الشرعية والطب والتاريخ، وبحوث المؤتمرات العالمية في مواضيع مختلفة وغيرها من العلوم النافعة. وأغلب مخطوطات المركز فيه تنتمي إلى أسرة الفوديوية الشهيرة بنشر العلم والثقافة الإسلامية في هذا الجزء من نيجيريا الاتحادية.

 

ومركز التاريخ بولاية صكتو الذي أنشئ في عام 1975م بأمر من الوزير جنيد (7) بن محمد البخاري عام 1906م، بغية إعادة الناس إلى تراثهم وتراث أجدادهم، ويقوم بمهمة حفظ كل ما له صلة بخلافة صكتو، ونشره وتطويره وحفظ المخطوطات وصيانتها وترجمتها، واقتناء المخطوطات الأخرى، ناهيك عن تقويمها وتوجيه الطلبة في البحث. ويمتلك المركز آلاف المخطوطات في شتى ميادين المعرفة. وللقسم علاقة التعاون مع عدة مراكز في إفريقيا، منها: قسم المخطوطات العربية والعجمية بجامعة نيامي، و مركز أحمد بابا في جمهورية مالي وغيرها من المراكز التي تحتضن المخطوطات. وتوجد في المركز قائمة تحتوي على المخطوطات التي يتصفحها الباحث عند قيامه بزيارة المركز. والملاحظ أن جل هذه المخطوطات تعاني من مشكلة الحفظ، كغيرها من المخطوطات الإفريقية. والمركز بصدد إعداد فهرس للمخطوطات، بالتعاون مع مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي.

 

 

 

كما يوجد قسم المخطوطات في جامعة أحمد بلو بزاريا، وهو من أقدم المراكز المتخصصة في حفظ التراث العربي الإسلامي، حيث ساهم في تأسيس العديد من المتخصصين. ويحتوي على مخطوطات قيمة ونفيسة، جمعت من شمال نيجيريا، وتم تصنيفها حسب الأسماء (8).

 

أما فيما يخص المكتبات الإسلامية الخاصة، فإنه من الصعب حصرها، وحصر عدد مقتنياتها لكثرتها، وهذا راجع إلى اهتمام أهل نيجيريا بجمع الكتب وتكوين المكتبات.

 

المخطوطات في مالي

لا يمكن الحديث عن المخطوطات العربية في إفريقيا دون التطرق إلى المخطوطات الموجودة في مالي، وخاصة في مدينة تمبكتو، التي تحتوي على مجموعة تقدر بعشرة آلاف مخطوط، أكثرها بالعربية، وأخرى باللغات المحلية، وهي التي يطلق عليها اسم المخطوطات العجمية. ولا يستطيع الباحث بهذه العجالة إلقاء الضوء على جميع المخطوطات في مالي، ولا بيان عددها بشكل محدد لكثرتها، ولأنها أيضا محاطة بالأسطورة. أما فيما يخص وضعيتها، فإنها مهددة بالعواصف الرملية، والنمل الأبيض، وبعضها ممزق، وبعضها أيضا مهدد بآثار الرطوبة، أو متآكل الأطراف، أو مبتور البداية أو النهاية. وقد تعرضت بعض مخطوطات تمبكتو للسرقة والنهب، وهدم آثار تاريخية من قبل المجموعة الإسلامية المسلحة التي تريد تطبيق الشريعة الإسلامية في مالي.

 

ويعد مركز أحمد بابا (9) من أهم المراكز التي تعتني بالمخطوطات هناك، وقد ساهمت منظمة اليونسكو في الحفاظ على مخطوطات مالي، وقامت جنوب إفريقيا ببناء المركز الجديد الذي يحتوي على المخطوطات في المركز.

 

أما مكتبة ماما حيدرا التذكارية، فإنها تحتوي على آلاف من المخطوطات، تم فهرسة الجزء الكبير منها، بالتعاون مع مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي. وقام مركز جمعة الماجد بدبي بتزويد المكتبة بأحدث الأجهزة للترميم ورقمنة المخطوطات، كما فعلت لبعض مراكز المخطوطات في العالم.

 

بوركينا فاسو

ويوجد العديد من المخطوطات في بوركينا فاسو، في مكتبات خاصة، كتبها جهابذة العلماء، منهم العلامة الحاج محمد مرحبا الذي ألف أكثر من 50 مخطوطا في شتى العلوم. وقد قام الباحث كبير حسن من النيجر بإعداد رسالة الماجستير في جامعة عثمان بن محمد بن فودي حول إحدى مخطوطات الإمام محمد مرحبا في الصرف. ويمتلك قسم المخطوطات العربية والعجمية بجامعة نيامي أغلب مخطوطات الإمام.

 

الخاتمة

من خلال هذا العرض السريع حول الكنوز المخطوطة في إفريقيا، والذي لا يدعي فيه الباحث الكمال، فإنه تمكن من إلقاء الضوء على جانب من التراث العربي الإسلامي، الذي تعج به تلك القارة، وأماكن وجودها، وحالاتها المادية، وبيان أن هذه المقتنيات تمثل بمحتوياتها المعرفية الثروة الثمينة التي تعد شاهدا ناطقا على النهضة الفكرية والثقافية التي شهدتها بعض الدول الإفريقية على مر العصور، كما تعكس هذه المخطوطات مهارة علماء الأفارقة، وإبداعاتهم في شتى فنون المعرفة. فبناء على كون هذا التراث الإنساني جزءا لا يتجزأ من تراث الأمة الإسلامية، فإن الباحث أشار إلى الظروف المادية المحيطة بتلك الكنوز، وضرورة مشاركة فعالة للسلطات والمنظمات الدولية التي تهتم بالتراث، وكذلك الأفراد والمؤسسات من خلال تقديم دعم جوهري يمكن من إنقاذها، حتى لا تتعرض لمزيد من المخاطر.

الكلمات الدّالة:

Please reload