جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

مدونات مدينة النجف السردية

2016-6-08

 

لم تحظ مدينة كالنجف بمدونات سردية، كانت أمينة ووافية من جهة، ويكمل بعضها البعض الآخر بامتهاد تسجيلي من جهة أخرى. ويؤاخي بينها كنصوص استشرفت البنية الفنية تداخلا مع بنيتها التسجيلية. أي أنها أسست نوعا من التكامل لبنائها من أجل تقديم صورة أكثر قوة في بنائها المعماري الروائي. وكان هذا مجسدا في انجاز نصوص روائية مثلت الى حد ما أجيال من الكتاب لهم رؤاهم ومكوناتهم الفكرية والجمالية، وتأريخهم المعرفي، ابتدأ هذا المشروع كالآتي : سفر القاص مكي زبيبة. أوراق من ذاكرة بانقيا لعبد الهادي الفرطوسي . السيد أصغر أكبر لمرتضى كزار . النجف .. الذاكرة والمدينة لزهير الجزائري . فندق السلام لمحمد سعد جبر الحسناوي .
 

بنية الانتساب
وفي هذا نجد أن الانتساب الى المدينة شكل الأساس في طرح بنية الأحساس بما تعرض له المكان والانسان في المدينة من دمار وخراب. ونرى أن بنية الانتساب ليست ضمن وثيقة رسمية. والدليل أن أربعة منهم من المدينة بينما الخامس (كزار) من مدينة البصرة. المهم في هذا التشكل البنيوي هو الأساس في الاحساس بالمدينة، وبكونها العام والخاص. وأجد أن الخمسة شملت جهودهم وظيفة عكس ما اصطلح عليه (ت.س.أليوت) بتحقيق المعادل الموضوعي. فكل منهم قدم خصائص ذاتية لنصه، ثم خصائص عامة، سنسفر عنها في قراءة لاحقة.


سيرة المدن
إن الكتابة عن سيرة المدن تتطلب جملة ممكنات منها: المعايشة والانتساب الاجتماعي والتاريخي والنفسي/ القدرة على البحث عن طبيعة الوثائق الدالة والمركزية/ إمكانية ذاتية على تمثل ما تقضي به المعلومة/ معرفة طبيعة الأشخاص والمواقف المؤثرة في تاريخ المدينة/ الإحساس بالمكان وخصائصه الذاتية والموضوعية/ وعي جدلية العلاقات على كل الأصعدة وإدراك مركز حراكها/ دراسة وعي الناس لكي يتمكن الكاتب من إقامة صلة بينهم، لاسيما إذا رام إنتاج مركب (تسجيلي- تاريخي – فني) ولعل شروطا أخرى تساعد على إنتاج هذه الوثيقة التاريخية المنصب جهدها في إنتاج ما يمكن أن يكون نصا محايدا ومحايثا. ولعل المخيال السردي أكثر تأثيرا في إنتاج من هذا النص. فهو العامل الفني الذي يمنح النص شعرية فائقة تضعه في مصاف النصوص العالمية. ولنا في روايات عالمية وعربية وعراقية نماذج دالة على هذه القدرة في الإنتاج. تجربة شاملة


إن الروايات التي استلهمت سيرة مدينة النجف، اعتمدت مبدأ الخوض في تجربة شاملة، فمن تسجيل سيرتها عبر سفر واسع، يجمع بين سيرة المدينة العلمية والعرفانية، وبين المكان المقدس، وثوابت أجزائه المقترنة بالرموز الدينية، بحيث أصبح المكان علامة تشير إليه، وتضعه ضمن حركة التاريخ للأشياء والأحداث والشواهد. كما وأن الراوي (مكي زبيبة) استطاع أن يمزج بين السيرة المكانية للمدينة وسيرتها العلمية، من دون أن يبتعد عن الوجدان الذاتي باعتباره راويا مشاركا، انبثق صوته من رحم المدينة وشكل صوته جزءا من سمفونية صوفية. عرفانيا – مثيولوجيا عامة. معتمدا بذلك على ذاكرة أكثر طراوة وتكيفا مع المتغير. فيما نجد (عبد الهادي الفرطوسي) يقدم سيرة، هي أقرب الى الرواية ذات الأبعاد الفنية، معتبرا رؤى منهجية، أو رؤى نقدية بوبت له الكيفية التي وجدها أكثر قدرة على استبعاد مشاهداته، رابطا سرديته مع رؤى (ميشيل فوكو) وأقرانه ممن عالجوا السردية. غير أنه لم يبتعد عن نمط السردية العربية القديمة كما فعل قرينه (مكي زبيبة). لقد مزج (الفرطوسي) بين سيرتين تداخلتا في حيثياتهما، وهما سيرة المدينة وسيرته كراو ومدون وثائق وأحداث وشواهد، وتأريخ الأشياء المعاشة تفاصيلها، هي المادة الأكثر جدية وحيوية في خلق سيرة مزيجة. فيما نجد (مرتضى كزار) أكثر ميلا لخلق ثوابت مدونته، معتمدا على مخياله السردي. وبهذا يخرج مسارا جديدا لسيرة المدينة من خلال ابتكار سيرة الشخوص في الأمكنة. وتفعيل نماذجه وفق حراك استثنائي ينبئ باحتلال ومحاصرة. ان تعامل (كزار) مع ذاكرة المدينة كان أكثر حذرا، لأنه لم يقم صلة مع المدون المتعارف، سواء كان شفاهيا أو مسجلا في بطون المدونات. انه خلق مدونة جديدة للمدينة، تظهر بالتلميح والإشارة الى طبيعة تاريخها. وسيرة مدينته أكثر ميلا لإنتاج رواية ذات مساس بالتاريخ السري والمعلن للمدينة. أما ( زهير الجزائري) فقد تعامل مع سيرة المدينة عبر حسه الوجداني فتجده عائدا إلى المدينة بعد مسافة زمنية، شهدت من خلالها مدينته تغيرات وهزات شكلت مفاصل مهمة كالانتفاضة في 1991 وحقبة الاحتلال الأميركي للعراق في نيسان 2003 ، والنجف واحدة من المدن المتأثرة بشكل مباشر بالأحداث الكبرى هذه. لذا كانت سيرته كراو في المكان، مكللة بالخيبة والأسف الذي أنتج نوعا من الأحساس بالفقدان. فالجزائري روائي يمتلك حساسية ذاتية أزاء الأمكنة التي عاش فيها تحت ظروف استثنائية كالحرب والمنفى. لذا كان تعامله مع مفردات مدينته فيها تراجيديا ذاتية، فيها تأسيس مكلل بالفاجعة. لأن الأمكنة التي أحب، ويحب رؤيتها قد فقدت صورتها الذاتية. فالمدينة، كما رآها، هيكل للجسد كما نجد له ذلك في بيت الطفولة (بيت العائلة) لا سيما مشاهدته لمن شاهدهم يلجؤون إليه

الكلمات الدّالة:

Please reload