جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة دار التراث 1440ق - 2019م

معلومة تراثية عن التطرف والغلو في المحاضرة و الملاقاة

2016-4-12

كانت مدينة لاهاي يوم 10 – 1 – 2015 غزيرة في امطارها. مصحوبة برياح عاتية بدرجة (8) فرضت على السيارات التحرك بحيطة وهداوة حسب توجيهات شرطة المرور،  التي تبثها بالراديو والتلفزيون.  

حينها  كنتُ  مع صديق عزيز(كاكه آزاد باشا)  أصطحبني في سيارته متوجهين  لتناول أكلة عراقية تراثية (كباب السليمانية) بالمطعم العراقي المعروف بلاهاي قبل الذهاب الى قاعة المحاضرات في منطقة فوربرخ لسماع محاضرة تراثية.

في تلك الساعة كنتُ وصاحبي  في ظن أن أحداً تحت هذا الغضب من الطقس المتطرف  لن يشارك في امسية  الاستماع الى محاضرة الدكتور رشيد الخيون عن (التطرف والغلو) إلا بعدد قليل محدود. هذا الموضوع لا شك انه على غاية الاهمية ،خاصة في فترة حرجة يمر بها العالم كله في تلك الساعة، التي تصاعد فيها إرهاب العناصر الاسلامية المتطرفة بكل نباتاتها ومساراتها ، من تنظيم القاعدة الى جبهة النصرة والى داعش المولود في العراق وبلاد الشام بأشنات مكروهة الرائحة . أولد الإرهابيون المتطرفون جريمة كبرى في مدينة باريس التي تحمل اجنحة الحرية الزرقاء في القارة الاوربية. لكن مجموعة صغيرة العدد كبيرة العدوان والخطر تشبثت بالجريمة وامتزجت بعلائقها وسلاحها فقتلت 17 مواطنا فرنسيا بيوم واحد.  في ظل هذا الواقع كان الباحث النيـّر رشيد الخيون يصلـّب نباته التراثي الغزير عن اصول (التطرف) و(الغلو)  واعتماد سلاح الغدر والرماح  يعتدون بها على الناس الامنين بأساليب بالغة الضآلة والدناءة متهافتين للإساءة الى الدين الاسلامي ولكل المسلمين قبل أي شيء آخر.

في ظل الطقس الماطر في لاهاي والطقس الناري في باريس وجد العراقيون  في مدينة العدالة ،والقانون ،والمهندسين، والعلماء،  والشعراء،  واصحاب الملايين أنهم أمام تحدٍ كبيرٍٍ لعبور العتبة الصعبة لحضور ندوة تبحث عن أصول الغلو وعن حدوة التطرف وعن سهول الحرية في وقت واحد . تعلّم العراقيون من الهولنديين أن  لا يوقفهم شيء من أخبار الدنيا الملتهبة  أو طقس رديء عن العمل والنشاط.  لا حر ولا برد ولا مطر مهما كان غزيراً لا يمنع الناس في هولندا عن نشاط منتدى علم  فيه إيناس و مجلس .   بروح التوثب العراقي فاقوا  كل المتوقع بتحدي غضب الطقس الساخط.  حافظوا   على الوعد الطيب بالدقة التامة، بحضور كثيف ، ليشاركوا جميعا ،بالاستماع والمناقشة، مع الضيف الغزير المعرفة التراثية، القادم من لندن، متنشقاً ضوع التراث العربي والإسلامي عن التطرف الديني في التاريخ والحاضر.

أول شيء بدأ الدكتور الخيون محاضرته بتذكير جمهرة الحاضرين بنهر دجلة. افتتح محاضرته بأربع أبيات ليست من الغزل، بل من الشوارد المليحة المستقيمة مع تركيب مضمون محاضرته. اختار سبوطة الشعر وجزالة المعاني  من قصيدة الشاعر العظيم  محمد مهدي الجواهري في قصيدة (المقصورة) التي كان مستهلها ( ودجلة إذ فارَ أذيّها ــــــــــــــــــ  كما حُمّ ذو حرَدٍ فاغتلى) . .

أدخل في الحال مسامع الحاضرين في أوصاف المنظر الأول عن محافل (التطرف والغلو) القديمة حيث تركز تدوير المحاضرة على (ظاهرة الحمس) . الحق أقول أنني لم أكن أعرف شيئاً لا عن معنى كلمة الحمس ولا  عن أهل الحمس . لكن سرعان ما أدخلني المحاضر إلى معنى الحمس وأهله. لقد تبين أن (الأحمس) هو (الشديد الصلب في الدين والقتال) كما أورده الخيون عن صحاح العالم اللغوي المعروف اسماعيل بن حمّاد الْجَوْهَري (توفي 393 هجرية) .

استرسل رشيد الخيون في القول والامثلة منغمسا في تقديم (المعلومة) تلو الأخرى من التاريخ العربي – الاسلامي الموثق. كانت المعلومات تترى في اقواله عن متون (الغلو والتطرف) متحدثا اولا عن ( الحمس) الذين كانوا قد (وجدوا انفسهم في ضنك شديد ، في واد غير ذي زرع لا شيء عندهم غير البيت ، فتحمسوا لهم في دينهم وتشددوا وتعاونوا فيما بينهم على العمل معا ، وعلى الدعوة الى عبادة رب البيت ، واقراء الضيف  والامتناع عن غزو غيرهم ن وعن التحرش باحد الا اذا تحرش بهم ن وعلى اغاثة الملهوف ومساعدة من يات البيت حاجا او معترا او قاصدا)..

انتقل الدكتور رشيد بمحاسن معلوماته التراثية عن اخبار مكة واخبار قريش وعن شرائع كثيرة قدمها بوسامة تصويره بعض احداث عربية – اسلامية قديمة عن متون الكتب والمصادر الاسلامية في ما يتعلق بـ(دولة الملثمين) كما قدم ملخص نظراته عن نموذج الغلو والتشدد في افكار ابن تيمية وصولا الى الخميني مرورا  بدولة (المرابطين) بالمغرب 448 ه بكتب (الحسبة) ليكشف مدى التطرف الديني في نظام (الحسبة)  مع انه كان مفيدا في المعاملات الاسلامية بالأسواق الاسلامية ، لكنه يبدو  في العصر الحالي عنيفا . لم يسمح لنفسه ان يمر على التشدد والغلو من دون ان يذكر محمد عبد الوهاب زعيم الوهابية  ثم توصل الى خلاصة معاني التطرف والغلو بالقول:

·       التطرف لم يستخدم قديما كمصطلح يفيد التشدد او الغلو لكن نجده في القواميس ما يشير الى هذا المعنى فمن يقول طرفت الناقة فمعنى ذلك انها تطرفت أي رعت اطراف المراعي ولم تختلط بالنوق.

·       اما  الغلو فقد اوضحه  بمعان كثيرة منها

·       غلا في الامر يغلو غلوا أي جاوز فيه الحد

·       غلا السعر أي ارتفع

·       غلا السهم وغلوت بالسهم أي رميت به ابعد ما تقدر

·       الغلواء سرعة الشباب واوله

·       تغالى لحم الناقة اذا ارتفع وذهبوالغلو فقال انه موجود في كل مناحي الحياة مثلا

·       ان الذين ماتوا عشقا كانوا مغالين.

كما اكد ان اخطر انواع الغلو من الناحية الاجتماعية هو الغلو الديني بشقيه العقائدي والعبادي،  وقد اشار القران الى العبادي او العملي من التطرف والغلو في سورة النساء الآية 171 ( يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق انما المسيح بن مريم رسول الله وكلمته).  كما اكد ان تكوين أي حزب على اساس عقيدة ما من العقائد الدينية  يؤدي بشكل من الاشكال الى نوع خطير من انواع التطرف لان المتطرفين يصبحون مطالبين بتطبيق الشريعة  متكلمين باسم الله .

 

كما ان نوعاً آخر من التطرف يمكن ان يظهر في احزاب غير دينية . أما اسباب نشوء التطرف والغلو فهي:

(1)            الخطاب الديني المتشدد.

(2)            الفقر الثقافي والعلمي بين أفراد الشعب.

(3)            الواقع الاجتماعي المنقسم بسبب الانقسام المذهبي والعشائري.

بهذه الصور الدقيقة وبطرافة رائعة اعجب بها الحاضرون جميعا  استطاع المحاضر الدكتور رشيد الخيون أن يربط بين التراث والمعاصرة حيث يعاني الوطن العراقي كله من ظلام التطرف بسواد شعارات دولة الخلافة الاسلامية (داعش)، حيث هجمت في العاشر من حزيران الماضي ربائب من أسراب وحشية دموية متطرفة بدءاً من محافظة نينوى كان غلّها قاسٍ بأشد أنواع القسوة على أرواح الناس وأراضيهم وأعراضهم وأملاكهم في مساحة واسعة شملت ثلث مساحة العراق فامتزج السواد بين دجلة والفرات ، كما امتزج فيها دم المسلم مع أخيه المسيحي والكردي والإيزيدي وغيرهم . ضاع في هذه الغزوة الهمجية  الغسق العراقي الذي سيظل منتظراً فجر تحرير كل شبر من الأرض العراقية.

قبل اختتام الأمسية  تعددت أسئلة ومداخلات الكثير من الحاضرين المستمعين حول (المعرفة) التراثية – التاريخية  التي قدمها المحاضر. تطرقت أجوبته لمزيد من شرح المواضع التي تحدث فيها وعنها بما فيها مواضع سياسية معاصرة عن الغلو الذي يزأر في الوقت الراهن في أمكنة مختلفة من العالم. كان الخيون حريصاً في تمحيص ومقارنة أجوبته بأسلوب جذّاب وبوسامة تعبير فيه نكهة التراث وفكاهة المعاصرة وعذوبة ذوق عمومية من دون أي غموض وبلا غوص في التعاميم والتفاصيل.   كان قادرا من خلالها أن يرينا حقائق تاريخية كثيرة مسندة إلى منهجه في توثيق  (المعلومة) التاريخية بأسودها وأحمرها وأبيضها.

 

أنهى المحاضر الدكتور رشيد الخيون كلامه الأخير تلخيصا لمعاني التطرف والغلو المنتخبة منه  بعناية  وبأمثلة وثيرة للسائلين والمعقبين ، أختتمها بفوارد من كلام التراث يعبّ فيها الذهن وتلتهمه الأسماع وتعتز به أنفس العراقيين المعانين آلام الغربة عن وطنهم الأم حيث يحمل المواطنون فوق ظهورهم أحمال وأثقال ونواتج خيول التطرف وسيوف الغلو.

 

 

Please reload