المؤتمر العالمي للعلامة المجدد وحيد البهبهاني (قدس سره)

مؤتمر

إزاحة الستار عن إصدارات مؤتمر البهبهاني
إزاحة الستار عن إصدارات مؤتمر البهبهاني

تفاصيل النشاط

مقدمة: رسالة المؤتمر وأهدافه

انطلاقاً من رسالة الدين الإسلامي السمحاء، وتأكيداً على دور العلماء كمنارات تهتدي بها المجتمعات، أخذ مركز كربلاء للدراسات والبحوث التابع للعتبة الحسينية المقدسة، بالتعاون مع مؤسسة دار التراث في النجف الأشرف، على عاتقهما مهمة تكريم كبار العلماء والمفكرين الذين خدموا تعاليم الدين الحنيف. ومن هذا المنطلق، انعقد المؤتمر العالمي لتكريم شخصية فذة تركت بصمة لا تمحى في تاريخ الفكر الشيعي، ألا وهو العلامة المجدد محمد باقر البهبهاني، المعروف بـ أستاذ الكل.

يعد هذا المؤتمر خطوة رائدة نحو تعريف الأجيال الجديدة بالمنجزات المعرفية والعلمية التي قدمها هذا العالم الجليل، فهو ليس مجرد احتفاء بتاريخ شخصية ما، بل هو إحياء لمدرسة فكرية بأكملها. لقد سعى المؤتمر إلى تحقيق جملة من الأهداف السامية، جاء في مقدمتها:

  • التعريف الشامل بشخصية العلامة البهبهاني وسيرته العطرة.
  • استكشاف آرائه ونظرياته في مختلف حقول العلم، لا سيما في الفقه والأصول والرجال والكلام.
  • إبراز دوره الريادي في تجديد الفكر الديني والتصدي للانحرافات الفكرية في عصره.
  • نشر تراثه العلمي من خلال تحقيق وطباعة مؤلفاته ورسائله القيمة.
  • تقديم شخصيته كأنموذج علمي وأخلاقي للشباب وطلبة العلوم الدينية.
  • فتح آفاق جديدة للبحث والدراسة حول مدرسته الفكرية وتأثيرها على من جاء بعده من الأعلام.

وقد شكل المؤتمر منصة عالمية، حيث تشكلت لجان علمية متخصصة في العراق وإيران وأوروبا، عملت على استكتاب الباحثين والمحققين، وجمع المقالات والدراسات العلمية الرصينة التي تليق بمقام هذا العالم الكبير، لتكون النتيجة موسوعة علمية شاملة عن حياته وعلمه ومنهجه.

شخصية الوحيد البهبهاني: مسيرة علم وجهاد فكري

هو العالم الرباني والمجدد الكبير، محمد باقر بن محمد أكمل الأصفهاني البهبهاني (١١١٨ – ١٣٠٥ هـ)، الذي ولد في أصفهان ونشأ في بيئة علمية عريقة تتصل بالعلامة المجلسي والشيخ المفيد. لقب بـ الوحيد لفرادة مكانته، وبـ أستاذ الكل لكثرة من تخرج على يديه من عمالقة الفقه والأصول.

هاجر إلى بهبهان ثم استقر في كربلاء، حيث كانت حركته العلمية نقطة تحول في تاريخ الحوزات العلمية. ففي زمن هيمن فيه التيار الأخباري على الأوساط العلمية حتى كاد أن يقضي على حركة الاجتهاد، تصدى العلامة البهبهاني لهذا الفكر بمنهج علمي رصين وحوار هادئ بناء. فبعد أن استأذن زعيم المعتدلين من الأخباريين، الشيخ يوسف البحراني، في إلقاء دروسه، استطاع بقوة حجته وعمق استدلاله أن يعيد للمنهج الأصولي بريقه، ويقنع جل طلبة العلم بالعودة إلى الاجتهاد.

لم تكن مواجهته عنيفة، بل كانت جهاداً فكرياً أثمر عن إنقاذ المدرسة الأصولية من خطر الجمود.

وبهذا الفعل التجديدي العظيم، استحق عن جدارة لقب مجدد المذهب، وأعاد لعلم أصول الفقه دوره المحوري. كما ترك خلفه جيلاً من أعاظم الفقهاء الذين حملوا لواء العلم من بعده، من أمثال السيد مهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء، والميرزا القمي، والسيد علي صاحب الرياض، والمولى أحمد النراقي.

لم تقتصر عظمة البهبهاني على علمه، بل كان مثالاً في الزهد والتقوى والتواضع، مما جعل منه مدرسة متكاملة في العلم والعمل، امتد أثرها إلى يومنا هذا.

محاور المؤتمر وأنشطته العلمية

لتحقيق أهدافه في تقديم دراسة شاملة ومتكاملة، نظم المؤتمر أعماله ضمن أربعة محاور رئيسية، غطت جميع جوانب حياة العلامة البهبهاني وتراثه الفكري. وقد شكلت هذه المحاور خارطة طريق للباحثين والكتاب للمساهمة بأعمالهم العلمية.

المحاور الرئيسية الأربعة للمؤتمر

المحور الأول: حياته وآثاره

تناول هذا المحور شخصيته العلمية والعملية، ظروف عصره، أساتذته وتلامذته، صراعه الفكري مع الأخباريين، وجوانب من سيرته الأخلاقية.

المحور الثاني: آراؤه الفقهية والأصولية

خصص هذا المحور لدراسة منهجه الأصولي، إبداعاته، مكانة القرآن في استدلالاته، ونقده للأخباريين في المسائل الأصولية.

المحور الثالث: أفكاره الرجالية والحديثية

ركز هذا المحور على مكانته في تطور علم الرجال، دراسة منهجه في التوثيقات العامة، وتحليل المصطلحات الحديثية في مؤلفاته.

المحور الرابع: آثاره الكلامية

تم في هذا المحور دراسة رسائله في علم الكلام مثل رسائل (أصول الدين، الإمامة، نفي الرؤية، الجبر والاختيار)، وبيان تأثير آرائه الكلامية على استنباطاته.

الأنشطة البارزة للمؤتمر:

إلى جانب استكتاب ونشر البحوث، قام المؤتمر بأنشطة نوعية أخرى، من أهمها:

  • إنتاج فيلم وثائقي: تم إنتاج فيلم وثائقي رفيع المستوى عن حياة العلامة البهبهاني ومسيرته العلمية وجهاده الفكري، تضمن لقاءات مع كبار العلماء والمحققين، وعرضاً لأهم الأماكن التاريخية المرتبطة بسيرته.
  • إدراج أعمال المؤتمر في برنامج ذاكرة العالم (اليونسكو): في خطوة عالمية مهمة، وتقديراً للأهمية الحضارية لهذا المشروع، تم الحصول على موافقة منظمة اليونسكو لإدراج كافة أعمال المؤتمر ونتاجاته ضمن برنامج ذاكرة العالم، اعترافاً بقيمته التراثية والإنسانية، وهو ما يعد منجزاً فريداً لهذا المؤتمر.

كلمات الأعلام والمحققين في رحاب المؤتمر

حظي المؤتمر بمشاركة واسعة من كبار العلماء والمحققين الذين أدلوا بدلوهم في بيان عظمة شخصية الوحيد البهبهاني وأهمية إحياء تراثه. وقد تضمنت إصدارات المؤتمر حوارات قيمة، نستعرض مقتطفات منها:

كلمة السيد أحمد المددي (حفظه الله):

أشار سماحته إلى أن العلامة البهبهاني لم يكن مجرد فقيه أو أصولي، بل كان مجدداً فتح بابين كبيرين: الأول، إعطاء عمق ودقة فلسفية للمسائل الفقهية، بحيث انتقل الفقه من مجرد نقل الروايات إلى فهم دقيق وغوص في أعماق المسائل، وهذا ما سار عليه تلامذته من بعده كالشيخ الأنصاري. الثاني، توسيع دائرة علم الرجال، حيث فتح طرقاً جديدة لتوثيق الرواة الذين كان يُحكم بجهالتهم، مما أثرى المادة الحديثية التي يمكن للفقيه الاعتماد عليها.

كلمة الشيخ محمد السند (حفظه الله):

لخص سماحته عظمة البهبهاني في امتيازات خمسة رئيسية:

  • تخريج عمالقة العلم: أصبح كل خريج من حوزته أسداً من أسود العلم.
  • إحداث انعطافة في علم الرجال: أحيا الاجتهاد في هذا العلم بدلاً من التقليد.
  • المسحة الولائية العميقة: كانت بصماته الولائية لأهل البيت (عليهم السلام) واضحة في فقهه وأصوله، ولكن ببصيرة علمية لا عاطفة مجردة.
  • تجديد علم أصول الفقه: أعطى دفعة هائلة لهذا العلم، الذي يعد منطق العلوم الدينية.
  • توقيره لطلبة العلم: رأى أن أحد أسباب توفيقه هو شدة احترامه لرجال الدين.

كلمة السيد رياض الحكيم (حفظه الله):

ركز سماحته على الظروف التاريخية الصعبة التي عاشها البهبهاني ودوره في مواجهة حالة التحجر والانصياع أمام الأخبار بعيداً عن العمق والاجتهاد. وبين سماحته الوسائل التي اتبعها البهبهاني لتحقيق هدفه، ومنها: الجهر بالموقف العلمي، تربية كبار العلماء لضمان استمرارية المنهج، التأليف العلمي المكثف، واستثمار النوادي والجلسات العلمية، والحضور الميداني في معاقل الفكر الأخباري.

إصدارات المؤتمر العلمية: الكتب والدراسات

تكللت جهود المؤتمر بإصدار موسوعة علمية ضخمة شملت عشرات الكتب والمقالات المحققة والمؤلفة. هذه الإصدارات، التي تمت ترجمة معظمها إلى اللغة العربية، شكلت مرجعاً أساسياً للباحثين في دراسة شخصية الوحيد البهبهاني ومدرسته. وفيما يلي قائمة بأبرز هذه النتاجات:

أولاً: الكتب والدراسات المستقلة

صدر عن المؤتمر مجموعة من الكتب القيمة التي تناول كل منها جانباً من حياة وإرث العلامة، ومنها:

  • أستاذ الكل، الوحيد البهبهاني (مجلدان): تأليف العلامة الشيخ علي الدواني، ويعد من أشمل الدراسات حول حياته.
  • الوحيد البهبهاني، رجل العقل: تأليف عباس عبيري، ويركز على منهجه العقلي.
  • تلامذة الوحيد البهبهاني: تأليف عبد الحسين جواهر كلام.
  • الوحيد البهبهاني وآراؤه الأصولية (جمع وعرض): تأليف سعيد رزجمو.
  • الوحيد البهبهاني وآراؤه الأصولية (دراسة وتحليل): تأليف محمد محسن الغراوي.
  • الوحيد البهبهاني محدثاً: تأليف أمين حسين بوري.
  • الوحيد البهبهاني وآراؤه الرجالية: تأليف روح الله شهيدي.
  • دائرة المعارف الوحيدية (باللغة الإنجليزية): جمع وترتيب محمد نوري، ويضم أهم الدراسات الغربية حول العلامة.
  • شرح الوافية في أصول الفقه (مجلدان): تحقيق ونشر لأحد أهم شروح أستاذ البهبهاني مع حواشي العلامة وتلامذته.

هذه العناوين هي مجرد نماذج من عشرات الإصدارات التي عمل المؤتمر على إعدادها وطباعتها، لتكون مكتبة متكاملة حول هذا المجدد العظيم.

ثانياً: مجموعات المقالات والبحوث

إلى جانب الكتب المستقلة، تم جمع عشرات المقالات العلمية المحكمة التي كُتبت خصيصاً للمؤتمر، وصدرت في عدة مجلدات مقسمة حسب محاور المؤتمر الأربعة، وهي:

  • مجلد في الكلام والعقائد: تضمن أبحاثاً حول رسائله الكلامية ومنهجه في إثبات الأصول.
  • مجلد في الحديث والرجال: ضم دراسات معمقة حول منهجه الرجالي ونقده للحديث.
  • مجلدان في الفقه: شمل مقالات حول آرائه الفقهية المبتكرة وقواعده الفقهية.
  • مجلدان في أصول الفقه: خصصا لدراسة نظرياته الأصولية ومناظراته مع الأخباريين، وتحليل أثرها فيمن بعده.

كما تم إصدار مجلة خاصة بأخبار المؤتمر، تضمنت حوارات ولقاءات علمية وتقارير عن مراحل انعقاد المؤتمر، مما جعلها سجلاً تاريخياً لهذا الحدث العلمي الكبير.

خاتمة: إحياء للمنهج وتأسيس للمستقبل

لم يكن المؤتمر العالمي لتكريم العلامة وحيد البهبهاني مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل كان مشروعاً معرفياً متكاملاً هدف إلى إعادة قراءة تراث أحد أعظم مجددي الفكر الشيعي، وتقديمه للأجيال المعاصرة بلغة علمية ومنهجية رصينة.

لقد أثمرت جهود المؤتمر عن تأسيس مكتبة علمية شبه متكاملة حول شخصية البهبهاني ومدرسته، وأعادت تسليط الضوء على دوره التاريخي في الحفاظ على حيوية الاجتهاد، كما فتحت الباب أمام عشرات الباحثين لمواصلة الدرب في دراسة هذا الإرث العظيم.

وختاماً، فإن هذا المؤتمر وما نتج عنه من آثار علمية، يمثل خطوة مباركة على طريق ربط الحاضر بالماضي، وتكريم العلماء، وترسيخ ثقافة البحث والتحقيق في تراثنا الإسلامي الزاخر، ليبقى منارة تهتدي بها الأجيال القادمة.

بالتعاون مع

  • مركز كربلاء للدراسات والبحوث التابع للعتبة الحسينية المقدسة

التقرير المصوّر

نشاطات أخرى

كل المؤتمرات